صراحة نيوز – بقلم الدكتور محمد خالد العزام
ليست كل التغريدات مجرد كلمات عابرة على شاشة هاتف، فبعضها يأتي محمّلًا برسائل تتجاوز حروفه، وتفتح نوافذ واسعة للتأمل في المشهد العام. ومن هذا النوع، تبدو تغريدة الباشا سمير الحياري التي تحدث فيها عن الدولة العميقة، واختيار الشخصيات التي تحظى بثقة الجمهور، وضرورة تغيير قواعد اللعبة، وكأنها جرسٌ يقرع في الوقت المناسب، ليقول إن المرحلة لم تعد تحتمل إدارة الأمور بالعقلية ذاتها.
الحياري، في تغريدته، يضع يده على جرحٍ قديم حين يقول إن الدولة العميقة كان بإمكانها أن تختار وتدعم شخصيات محترمة تحظى بثقة حقيقية من الجمهور، وتبني النظام، بدل أن تكشف عن نفسها بخيارات بالية لا تحظى بالاحترام أو الوزن في الشارع.
وهنا تكمن أهمية الرسالة؛ فالدولة، أي دولة، لا تقاس فقط بقوة مؤسساتها، وإنما كذلك بمدى الثقة التي تسكن وجدان مواطنيها. فالثقة هي الجسر الذي تعبر عليه القرارات إلى الناس، وهي الرصيد الذي يجعل المسؤول قادرًا على الإقناع قبل أن يبدأ بالتنفيذ.
أما حين تتسع المسافة بين المواطن وصاحب القرار، فإن أكثر القرارات إحكامًا قد تفقد بريقها، وتتحول الكلمات إلى صدى بعيد لا يصل إلى آذان الشارع.
واللافت في تغريدة الحياري أنها لا تتوقف عند النقد، بل تذهب إلى ما هو أبعد، عندما يختم بالقول إن اللعبة يجب أن تتغير. وهذه العبارة القصيرة تحمل في داخلها معنى كبيرًا؛ لأن تغيير قواعد اللعبة لا يعني بالضرورة هدم الطاولة، وإنما يعني إعادة ترتيبها، وإدخال معايير جديدة إلى معادلة الاختيار، يكون فيها الكفاءة والسمعة والنزاهة والقدرة على التواصل مع الناس في مقدمة الحسابات.
لقد تغير المجتمع، وتغيرت أدوات التواصل، ولم يعد المواطن ينتظر نشرة الأخبار الرسمية ليعرف ماذا يحدث. الهاتف الذي في يد المواطن أصبح نافذة مفتوحة على العالم، وأصبحت المعلومة تنتقل في دقائق، والرأي العام يستطيع أن يرفع شخصية إلى السماء أو يسحب عنها بساط القبول.
ومن هنا، فإن اختيار المسؤول لم يعد شأنًا إداريًا مغلقًا داخل الغرف، بل أصبح قرارًا له انعكاس مباشر على الشارع. فالشخصية التي تحمل ثقة الناس تستطيع أن تكون جسرًا بين الدولة والمجتمع، بينما الشخصية التي تفتقد القبول قد تتحول، من حيث لا تدري، إلى جدار يفصل الطرفين.
ولعل أكثر ما يستوقف القارئ في كلام الباشا هو إشارته إلى شخصيات محترمة. فالاحترام في الحياة العامة لا يُشترى بقرار، ولا يُمنح بمرسوم، ولا تصنعه الألقاب. الاحترام يُبنى كما تُبنى البيوت حجرًا فوق حجر؛ بالسيرة الطيبة، والموقف الواضح، والإنجاز، والقدرة على تحمل المسؤولية في الأوقات الصعبة.
إن الأردن اليوم بحاجة إلى استعادة المعنى الحقيقي للمسؤولية العامة؛ مسؤولية لا تقوم على تدوير الوجوه، ولا على إعادة إنتاج الأدوات ذاتها، وإنما على ضخ دماء جديدة في شرايين الإدارة، واختيار رجال ونساء يستطيعون أن يحملوا ثقة الناس قبل أن يحملوا حقائبهم ومواقعهم.
تغريدة الباشا سمير الحياري، بهذا المعنى، ليست مجرد تغريدة سياسية عابرة، بل يمكن قراءتها كدعوة إلى مراجعة طريقة التفكير في اختيار الشخصيات العامة. دعوة تقول بوضوح إن المرحلة تحتاج إلى عقول جديدة، ووجوه تحظى بالاحترام، وشخصيات تستطيع أن تقف أمام الناس بثقة، لا أن تختبئ خلف المناصب.
فالزمن تغير، والشارع تغير، وأدوات التأثير تغيرت، ومن لا يغيّر أدواته يظل يدور في الدائرة نفسها.
وقد تكون العبارة الأهم في التغريدة هي: «يجب تغيير قواعد اللعبة»؛ لأنها تختصر المشهد كله. فالمطلوب ليس تغيير الأشخاص فقط، بل تغيير طريقة الاختيار، ومعايير التقييم، ونظرة الدولة إلى علاقتها بالرأي العام.
وفي نهاية المطاف، تبقى قوة الدولة في مؤسساتها، وهيبتها في القانون، واستقرارها في ثقة مواطنيها. وكلما كان المسؤول قريبًا من نبض الناس، صادقًا معهم، وقادرًا على الإنجاز، أصبح أكثر قدرة على حمل مشروع الدولة والدفاع عنه.
أما الرسالة التي يمكن التقاطها من بين سطور تغريدة الحياري فهي أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى رجال دولة لا مجرد رجال مناصب؛ وإلى شخصيات تصنع الثقة قبل أن تطلبها، وتكسب احترام الشارع قبل أن تجلس على كرسي المسؤولية.
فحين تتغير قواعد الاختيار، قد تتغير النتائج. وحين تتقدم الكفاءة والثقة والاحترام، يصبح القرار أكثر قوة، وتصبح المسافة بين الدولة والمواطن أقصر، ويصبح المستقبل أقل ضبابًا وأكثر وضوحًا.

