قراءة قانونية ناقدة في التعديلات المقترحة وآثارها على أصحاب الحقوق العقارية
صراحة نيوز – بقلم المحامية ساره العطيات
إن الملكية الخاصة ليست مجرد مصلحة مالية قابلة للمساومة، وإنما هي حق أصيل تحميه القواعد الدستورية والقانونية، ويشكّل الاعتداء عليه، بأي صورة من الصور، مساساً مباشراً بالأمن القانوني والاجتماعي والاقتصادي للمواطن.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تعديل تشريعي يمس الملكية العقارية يجب ألا يُقاس فقط بمدى قدرته على تسريع المعاملات أو إنهاء القضايا العالقة، وإنما يجب أن يخضع أولاً وأخيراً لمعيار جوهري هو:
*هل يحافظ التعديل على حق المالك الحقيقي، أم يسمح عملياً بنقل سلطة التصرف من صاحب الحق إلى من لا يملك كامل الحق؟*
وهنا تحديداً تكمن نقطة الاعتراض التي أراها جديرة بالنقاش الجاد والمسؤول.
فأنا، كمحامية، لا أعارض تطوير التشريعات العقارية، ولا أعارض تبسيط الإجراءات، ولا أعارض إنهاء حالات الشيوع التي طال أمدها، ولا أعارض التحول الرقمي أو تنشيط الاستثمار العقاري.
لكنني أرفض أن يكون *تسريع الإجراءات على حساب أصل الحق*، أو أن تتحول معالجة مشكلة إجرائية إلى وسيلة تنتقص من حق مالك لم يرتكب أي خطأ، أو أن يصبح صاحب الأغلبية قادراً على فرض نتيجة عقارية على صاحب الأقلية دون ضمانات حقيقية تكفل عدم الإضرار به.
## أولاً: المشكلة ليست في إزالة الشيوع وإنما في طريقة إزالته
لا خلاف على أن الملكية الشائعة قد تكون مصدراً لمنازعات طويلة، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى تعطيل الانتفاع بالعقار أو الاستثمار فيه.
كما أن مشروع تعديل قانون الملكية العقارية لسنة 2026 اتجه إلى تبسيط إجراءات إزالة الشيوع، ومن بين المقترحات التي حظيت بالاهتمام استبدال شرط إجماع الشركاء في بعض حالات القسمة بموافقة مالكي ثلاثة أرباع العقار.
ومن حيث المبدأ، فإن إنهاء الشيوع هدف مشروع.
لكن السؤال الحقيقي ليس:
*كيف ننهي الشيوع بسرعة؟*
وإنما:
*كيف ننهي الشيوع دون أن يتحول ذلك إلى انتقاص من حق الشريك الذي لم يوافق؟*
فالأغلبية العددية أو النسبية لا ينبغي أن تتحول بذاتها إلى ملكية، ولا يجوز أن يصبح امتلاك نسبة أكبر من العقار سبباً في منح صاحبها سلطة على حق ثابت لشريك آخر تتجاوز حدود حصته القانونية.
وهنا أرى أن التشريع يجب أن يكون بالغ الدقة؛ لأن العقار ليس سهماً في شركة يمكن التعامل معه بمنطق التصويت فحسب، وإنما هو حق عيني ثابت له حجية قانونية وآثار مالية واجتماعية عميقة.
—
## ثانياً: أخشى من تكريس قاعدة “إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق”
إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن أي صياغة تشريعية غير منضبطة هو أن نجد أنفسنا أمام نتيجة قانونية مؤداها:
*إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق.*
وهذه العبارة ليست شعاراً سياسياً أو اعتراضاً عاطفياً، وإنما تعكس إشكالية قانونية جوهرية.
فالمالك لا يفقد حقه لمجرد أن شريكاً آخر يملك حصة أكبر.
والشريك لا يتحول إلى مالك لحصة غيره لمجرد حصوله على نسبة تصويتية تمكنه من تمرير إجراء معين.
والأصل في الملكية أن:
*كل شخص لا يتصرف إلا في حدود الحق الذي يملكه، ولا يجوز أن تنتقل ملكية مال الغير إليه إلا وفق سبب قانوني صحيح، وبمقابل عادل وضمانات حقيقية.*
ومن هنا فإن أي تعديل يسمح عملياً بإنهاء ملكية شريك أو فرض قسمة تؤثر بصورة جوهرية في مركزه القانوني يجب أن يتضمن ضمانات واضحة تمنع الاستغلال وتحمي صاحب الحق الأقلية.
—
## ثالثاً: الأغلبية لا يجب أن تتحول إلى وسيلة لمصادرة الأقلية
إن اعتماد نسبة ثلاثة أرباع في بعض إجراءات إزالة الشيوع قد يكون مفهوماً من ناحية الرغبة في معالجة حالات التعطيل، لكنه يحتاج إلى ضمانات أقوى بكثير لحماية أصحاب الحصص الأقل.
فالشريك الذي يملك ربع العقار، أو أقل من ذلك، لا يصبح أقل حقاً في ملكيته لمجرد أن حصته أقل من حصص الآخرين.
وقد يكون العقار بالنسبة إليه:
* إرثاً عائلياً؛
* المسكن الوحيد؛
* أرضاً ذات قيمة اقتصادية عالية؛
* عقاراً ذا قيمة معنوية خاصة؛
* أو استثماراً يمثل كامل مدخراته.
فهل يجوز أن تكون إرادة الأغلبية كافية وحدها لفرض نتيجة تؤدي إلى خسارته للعقار أو إلى انتقاص جوهري من قيمته؟
هنا يجب أن تكون الإجابة القانونية واضحة:
*الأغلبية وسيلة لإدارة الحق، وليست مصدراً لخلق ملكية جديدة على حساب الأقلية.*
—
## رابعاً: حماية الأقلية يجب أن تكون حماية فعلية وليست شكلية
قد يقال إن التعديل يتضمن ضمانات لحماية حقوق بقية الشركاء.
لكن السؤال الذي يجب أن يطرح هو:
*ما مدى فعالية هذه الضمانات؟*
فلا يكفي أن ينص القانون على حق الاعتراض أو الطعن إذا كانت النتيجة العملية قد أصبحت شبه محسومة قبل أن يتمكن صاحب الحق من ممارسة دفاعه.
ولا يكفي أن يقال إن الشريك سيحصل على بدل مالي إذا كان البدل لا يعكس القيمة الحقيقية لحقه.
ولا يكفي إجراء تقييم شكلي إذا كان العقار يتمتع بموقع أو قيمة استثمارية تجعل قيمته السوقية أعلى بكثير من القيمة التي قد تعتمدها الجهات المختصة.
لذلك فإن الحماية الحقيقية يجب أن تشمل:
1. إخطار جميع الشركاء بصورة صحيحة.
2. تمكين كل شريك من إبداء اعتراضه.
3. إجراء تقييم مستقل وعادل للعقار.
4. ضمان حصول الشريك على كامل القيمة الحقيقية لحقه.
5. تمكينه من الطعن في إجراءات القسمة أو التقدير.
6. وقف الإجراءات عند وجود نزاع جدي على أصل الملكية.
7. عدم المساس بأي حق مسجل إلا وفق إجراءات قانونية وقضائية تضمن المحاكمة العادلة.
—
## خامساً: السجل العقاري هو أساس الأمن القانوني
إن قانون الملكية العقارية الأردني رقم (13) لسنة 2019 جاء ليعزز استقرار الملكيات العقارية وحجية التسجيل، وهو ما يجعل أي مساس بالحقوق المسجلة أمراً يحتاج إلى أعلى درجات الحذر.
فالمالك الذي يحمل سند تسجيل لا ينبغي أن يشعر في أي وقت بأن ملكيته قابلة للانتقاص بمجرد توفر أغلبية لدى شركائه.
إن الثقة بالسجل العقاري تعني أن المواطن يستطيع أن يعلم بصورة واضحة:
*ما أملكه اليوم سيبقى ملكي ما لم يوجد سبب قانوني مشروع لنقله أو إنهائه.*
أما إذا أصبحت الملكية المسجلة قابلة للانتقاص بقرار إداري أو بإرادة أغلبية دون ضمانات كافية، فإن ذلك قد يؤدي إلى إضعاف الثقة بالنظام العقاري ذاته.
—
## سادساً: تسريع الإجراءات ليس مبرراً للمساس بالحقوق
أتفهم تماماً الهدف المعلن من تعديل القانون، والمتمثل في معالجة القضايا العالقة منذ سنوات وتبسيط إجراءات إزالة الشيوع وتسريعها، إضافة إلى تطوير البيئة الاستثمارية والرقمنة.
لكنني أرى أن هناك فرقاً كبيراً بين:
*تسريع الإجراء*
و
*تقليص ضمانات صاحب الحق.*
الأول إصلاح مطلوب.
أما الثاني فقد يؤدي إلى نتائج خطيرة.
ومن الممكن تشريعياً وإدارياً تسريع إجراءات إزالة الشيوع دون المساس بجوهر الملكية، من خلال:
* تحديد مدد زمنية ملزمة للجان؛
* تطوير إجراءات التبليغ؛
* اعتماد أنظمة إلكترونية فعالة؛
* زيادة عدد لجان إزالة الشيوع؛
* الاستعانة بخبراء ومساحين متخصصين؛
* وضع آليات سريعة للاعتراض؛
* وتسريع الفصل القضائي في المنازعات المرتبطة بالقسمة.
أما تحميل المالك حسن النية نتائج تعقيد الإجراءات، فليس هو الحل العادل.
—
## سابعاً: لا يجوز أن تتحول إزالة الشيوع إلى نزع ملكية مقنع
إذا كان أثر الإجراء في النهاية يؤدي إلى حرمان شريك من ملكيته أو إجباره على الخروج من عقاره مقابل مبلغ مالي، فإننا نقترب من مفهوم نزع الملكية من الناحية العملية، حتى لو اختلف الوصف الفني للإجراء.
وهنا يجب أن تتوافر ضمانات مشددة.
فإذا كانت الدولة نفسها عندما تنزع ملكية المواطن للمنفعة العامة ملزمة باتباع إجراءات وضوابط وتعويضه وفق القانون، فمن باب أولى ألا يسمح التشريع بأن يصل الشريك إلى نتيجة شبيهة بنزع الملكية الخاصة لمجرد أنه يمثل أغلبية.
إن الملكية لا ينبغي أن تكون رهينة ميزان القوى بين الشركاء.
—
## ثامناً: الخطر الأكبر يكمن في تقدير قيمة العقار
حتى لو افترضنا قبول مبدأ اتخاذ قرار القسمة دون إجماع، فإن أخطر مرحلة لاحقة ستكون مرحلة *تقدير قيمة الحصة*.
فالعقار قد تكون له قيمة سوقية تختلف جذرياً عن القيمة التقديرية الرسمية.
وقد تكون هناك عوامل تؤثر في قيمته، منها:
* الموقع؛
* التنظيم؛
* الواجهة؛
* قابلية الاستثمار؛
* الشوارع المحيطة؛
* إمكانات البناء؛
* الاستخدام التجاري؛
* المشاريع المستقبلية في المنطقة.
لذلك فإن مجرد دفع “قيمة الحصة” لا يعني بالضرورة تحقيق العدالة.
والعدالة تقتضي دفع *القيمة الحقيقية العادلة* التي لا تجعل الشريك يخرج من ملكيته خاسراً نتيجة قرار لم يكن راغباً فيه.
—
## تاسعاً: حماية الملكية لا تعني حماية الشيوع إلى الأبد
وأؤكد هنا أن رفضي لبعض جوانب التعديل لا يعني الدعوة إلى إبقاء الملكية الشائعة إلى ما لا نهاية.
فالملكية الشائعة قد تكون في بعض الحالات ضارة بجميع الشركاء، ومن حق المشرع أن يضع آليات فعالة لإنهائها.
لكن الفرق يكمن في أن:
*إنهاء الشيوع يجب أن يؤدي إلى إنهاء حالة الشيوع، لا إلى إنهاء حق أحد الشركاء دون ضمانات عادلة.*
وهذا هو الحد الفاصل بين الإصلاح التشريعي المشروع وبين التشريع الذي قد يخلق ضرراً جديداً أثناء محاولته معالجة ضرر قائم.
—
## عاشراً: موقفي القانوني من التعديل
وبصفتي محامية، فإنني أرى أن تطوير قانون الملكية العقارية أمر ضروري، لكنني أتحفظ وأرفض أي تعديل تكون نتيجته العملية المساس بحقوق المالكين أو تمكين الأغلبية من فرض التصرف في حقوق الأقلية دون ضمانات كافية.
وأؤكد أنني *لست ضد إزالة الشيوع، ولست ضد تسريع المعاملات، ولست ضد الاستثمار، ولست ضد تحديث التشريع*.
بل إنني مع كل ذلك.
لكنني أرفض أن يكون ثمن التطوير التشريعي هو حق المواطن في ملكيته.
وأرفض أن يتحول مبدأ الأغلبية إلى وسيلة للاستيلاء على حق الأقلية.
وأرفض أن يصبح العقار المسجل باسم شخص قابلاً للانتقال أو الانتقاص دون أن يكون هناك سبب قانوني واضح وعادل ومتناسب.
وأرفض، قبل كل شيء، أن نصل إلى نتيجة يمكن وصفها قانوناً وواقعاً بأنها:
### *”إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق.”*
—
## الحادي عشر: المطلوب تعديل التعديل
إن كان الهدف الحقيقي من مشروع القانون هو معالجة حالات الشيوع المتعطلة وتنشيط الاستثمار وتبسيط الإجراءات، فإن ذلك يمكن تحقيقه دون المساس بجوهر الملكية.
ومن وجهة نظري، فإن الحل لا يكمن في رفض الإصلاح برمته، وإنما في *إعادة صياغة المواد محل الاعتراض* بما يحقق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق الملكية.
وأقترح في هذا السياق:
### أولاً:
عدم السماح لأي أغلبية، مهما بلغت، بفرض نقل ملكية شريك آخر دون رضاه إلا وفق ضوابط قضائية واضحة واستثنائية.
### ثانياً:
إلزام الجهة المختصة بإجراء تقييم عقاري مستقل ومتعدد الخبرات عند وجود اعتراض على قيمة العقار.
### ثالثاً:
منح الشريك المعترض حق الطعن الكامل في قرار القسمة والتقدير.
### رابعاً:
وقف أي إجراء إذا كان هناك نزاع جدي يتعلق بأصل الملكية أو صحة التسجيل.
### خامساً:
ضمان دفع القيمة العادلة والفعلية للحصة قبل ترتيب الأثر النهائي على ملكية الشريك.
### سادساً:
عدم السماح باستغلال النص من قبل أشخاص لا يملكون سوى أغلبية شكلية بهدف الوصول إلى ملكية العقار أو السيطرة عليه بثمن أقل من قيمته الحقيقية.
—
إن التشريع العقاري الناجح ليس هو الذي ينهي أكبر عدد من الملفات في أقصر مدة، وإنما هو الذي ينهيها *دون أن يظلم صاحب حق*.
ولا يمكن أن يكون تسريع إزالة الشيوع هدفاً مستقلاً عن العدالة.
فالملكية حق، والسجل العقاري ضمان، والقانون يجب أن يكون حصناً للمالك لا وسيلة للانتقاص من ملكيته.
ومن هنا، فإنني، أؤكد أنني مع تطوير قانون الملكية العقارية، ومع معالجة القضايا العقارية العالقة، ومع تسريع إجراءات إزالة الشيوع، ومع الرقمنة والاستثمار.
ولكنني *أرفض أي تعديل تشريعي قد يؤدي إلى إهدار حقوق المالكين أو الانتقاص من ملكية أصحاب الحصص الأقل دون ضمانات حقيقية وفعالة*.
فلا يجوز أن نحل مشكلة الشيوع بصناعة مشكلة أكبر، ولا أن نعالج بطء الإجراءات بتسريع الاعتداء على الحقوق.
إن الإصلاح الحقيقي هو الذي يحقق المعادلة التالية:
> *نعم لتسريع الإجراءات، نعم لإنهاء الشيوع، نعم للاستثمار، نعم لتطوير التشريع؛ ولكن لا للمساس بالملكية الخاصة، ولا لإعطاء من لا يملك، ولا لتمكين من لا يستحق.*

