الإمام ضامن… كلمة أراحت صلاتي وأقلقتني على المحراب

5 د للقراءة
5 د للقراءة
الإمام ضامن… كلمة أراحت صلاتي وأقلقتني على المحراب

صراحة نيوز – بقلم: زياد فرحان المجالي

حدثت معي في المسجد واقعة صغيرة، لكنها فتحت أمامي بابًا كبيرًا للتفكير.
كنت أصلي جماعة، ووقع مني سهو أثناء الصلاة. وعندما سلّم الإمام، ظننت أن عليّ أن أسجد للسهو، فقمت بما اعتقدت أنه الواجب.
بعد الصلاة، اقترب مني أحد المصلين الكرام وقال لي ببساطة
**يا أخي، أنت مأموم… والإمام ضامن.**
توقفت عند الكلمة.
**الإمام ضامن!*
وسألت وتعلمت أكثر، فعرفت أن المسألة فيها تفصيل فقهي، وأن المأموم إذا سها خلف إمامه في بعض أحوال السهو لا يطالب بسجود مستقل، بل يتابع إمامه، وأن النبي ﷺ قال:
**«الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن».**
وهنا، بصراحة، شعرت بشيء من السعادة والطمأنينة.
قلت في نفسي: ما أعظم هذا الدين.
حتى في الصلاة، وهي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، نجد الرحمة والتيسير ورفع الحرج. لم يجعل الله علاقتنا به قائمة على مطاردة الإنسان في كل حركة وسهو ونسيان، بل قال سبحانه:
**﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.**
لكن كلمة **«الإمام ضامن»** لم تغادر ذهني بعد خروجي من المسجد.
بل تحولت عندي من جواب فقهي إلى سؤال أخلاقي كبير:
**إذا كان الإمام قد مُنح كل هذه المكانة، فماذا يجب أن يكون عليه هذا الإمام؟**
وهنا تغيرت زاوية التفكير تمامًا.
الإمامة ليست رجلًا يقف أمامنا لأن مكانه في الصف الأول.
وليست وظيفة تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم.
وليست راتبًا وسكنًا ومزايا وظيفية، مهما كانت هذه الحقوق مشروعة ومستحقة
الإمامة قبل ذلك كله **أمانة*
عندما يقف الإمام أمام عشرات المصلين ويقول: **«الله أكبر»**، فإن هؤلاء جميعًا يسلّمون قياد صلاتهم له.
يركعون عندما يركع.
ويرفعون عندما يرفع.
ويسجدون عندما يسجد.
ولا يجوز لهم أن يسبقوه.
أي منزلة أعظم من هذه؟
وأي مسؤولية أثقل منها؟
ومن هنا بدأت أسأل نفسي: إذا كان الإسلام قد أعطى الإمام هذه الثقة، أفلا ينبغي أن يكون الإمام على قدرها؟
لا أتحدث عن العصمة؛ فالإمام بشر، يخطئ وينسى ويغضب، وقد يسهو في صلاته كما يسهو غيره.
ط
ولا أتحدث عن جميع أئمة المساجد، ففي مساجدنا أئمة أفاضل نعرف فيهم العلم والتقوى وحسن الخلق، ونرى بعضهم يعيش للمسجد أكثر مما يعيش لنفسه.
لكنني أتحدث عن **المعنى**.
عن الإمام الذي ينبغي أن يدرك أنه ليس مجرد موظف في مسجد.
فالمحراب ليس مكتبًا حكوميًا.
والمصلون ليسوا مراجعين.
والإمامة ليست امتيازًا اجتماعيًا.
إنها مسؤولية دينية وأخلاقية.
فكيف يستقيم أن يكون الرجل إمامًا للناس في الصلاة، ثم يكون خارج الصلاة ممن يكذب عليهم أو ينافقهم أو يبحث عن مصالحه الشخصية أو يسيء معاملتهم؟
وكيف يطلب الإمام من الناس أن يستقيموا خلفه في الصف، إذا لم يجتهد هو في أن يكون مستقيمًا أمامهم في السلوك؟
وهنا فهمت عبارة **«الإمام ضامن»** بصورة أعمق.
ليس معناها أن الإمام يملك أن يضمن لنا قبول الصلاة عند الله؛ فذلك لله وحده، ولا يحمل إنسان ذنب إنسان.
لكنها تضع الإمام أمام مسؤولية هائلة في حفظ الصلاة ورعاية الجماعة والقيام بحق الإمامة.
ولذلك فإن الامتياز الحقيقي للإمام ليس السكن، ولا الكهرباء، ولا الماء، ولا ما يحصل عليه بحكم وظيفته.
**امتيازه الحقيقي أن الناس ائتموا به ووقفوا خلفه بين يدي الله.**
وهذه، في نظري، أخطر من كل الامتيازات.
ومن يتقدم الناس في الدنيا يستطيع أن يعتذر أو يستقيل أو يغادر موقعه.
أما من يتقدمهم وهم يقولون **«الله أكبر»**، فعليه أن يتذكر في كل مرة يصعد فيها إلى المحراب أنه دخل مساحة لا تحتمل العبث.
ولهذا فإن حاجتنا ليست فقط إلى إمام يحفظ أحكام الصلاة.
نحتاج إلى إمام **يمتلئ إيمانًا وصدقًا وأمانة**.
إمام يشعر أن المسجد بيته لا مكان عمله فقط، وأن المصلين أمانة لا جمهورًا، وأن حسن خلقه خارج المحراب جزء من رسالته داخله.
لقد دخلت المسجد يومها وأنا أفكر في سجدة سهو.
وخرجت وأنا أفكر في **الإمامة كلها**.
وسعدت لأنني اكتشفت مرة أخرى أن الإسلام دين رحمة ويسر، وأن الله سبحانه لم يجعل عبادته عسرًا علينا.
لكنني اكتشفت في الوقت نفسه شيئًا آخر:
**كلما عظمت المنزلة، عظمت الأمانة.*
وإذا كان المأموم يطمئن حين يسمع أن **«الإمام ضامن»**، فإن الإمام نفسه ينبغي أن يرتجف قلبه قليلًا عندما يسمعها.
لأنها ليست امتيازًا فقط.
*إنها تكليف… قبل أن تكون تشريفًا.*

شارك هذا المقال