صراحة نيوز – بقلم : المهندس سمير سليمان
لم تعد الزراعة اليوم تسير وفق المواعيد التي اعتدنا عليها لسنوات طويلة. فالتغير المناخي فرض واقعًا جديدًا على القطاع الزراعي، تغيّرت معه مواعيد الزراعة والإنتاج، وتفاوتت الكميات، وأصبحت موجات الحر والبرودة والأمطار غير المعتادة عوامل مؤثرة في حجم الإنتاج وتوقيت وصوله إلى الأسواق.
وحسب هذا الواقع، تزداد أهمية الروزنامة الزراعية كإحدى الأدوات التي يمكن من خلالها تنظيم العلاقة بين الإنتاج المحلي والاستيراد، وحماية المنتج الزراعي المحلي عندما يكون قادرًا على تلبية احتياجات السوق، وفي الوقت ذاته ضمان استمرار توفر المنتجات الزراعية للمستهلك واستقرار الأسعار.
وتحسب لوزارة الزراعة في هذا السياق محاولتها تطوير آلية عمل الروزنامة الزراعية، وعدم التعامل معها باعتبارها جدولًا ثابتًا لمواعيد فتح وإغلاق الاستيراد، وإنما كأداة تستند إلى واقع الإنتاج وحركة الأسواق واحتياجات المستهلك.
فالقرار المتعلق بالاستيراد لا ينبغي أن يقوم على التاريخ وحده، وإنما على مجموعة من المؤشرات، من بينها المساحات المزروعة، وحجم الإنتاج الفعلي، والكميات الواردة إلى الأسواق المركزية، ومخزونات التبريد، والصادرات، إلى جانب حجم الطلب والاستهلاك وحركة الأسعار.
وتبرز أهمية النهج الذي تتبناه الوزارة في إشراك ممثلي المزارعين والتجار والقطاع الخاص في مناقشة الروزنامة الزراعية. فالمزارع يعرف واقع الإنتاج، والتاجر يعرف حركة السوق، والجهات المختصة تمتلك البيانات والقدرة على اتخاذ القرار، والجمع بين هذه الأطراف يمكن أن يؤدي إلى قرارات أكثر واقعية وتوازنًا.
التغير المناخي يجعل هذه المرونة أكثر ضرورة. فقد يبدأ إنتاج محصول في وقت أبكر من المعتاد، أو يتأخر، وقد تنخفض الكميات المنتجة نتيجة ظروف جوية استثنائية، وبالتالي فإن الالتزام الصارم بموعد تقليدي للاستيراد أو التقييد قد لا يعكس بالضرورة الواقع الحقيقي للسوق.
ومن هنا، فإن تطوير الروزنامة لا يعني التخلي عن قواعدها، بل جعلها أكثر قدرة على الاستجابة للمتغيرات. فالروزنامة الناجحة هي التي تستطيع تعديل قراراتها عندما تتغير الظروف، استنادًا إلى بيانات ميدانية واضحة، وليس إلى التقديرات وحدها.
ان حماية المنتج المحلي لا تعني إغلاق باب الاستيراد بصورة مطلقة؛ فالاستيراد يصبح ضروريًا عندما لا يكفي الإنتاج المحلي لتغطية احتياجات السوق. والموازنة بين الحالتين هي التحدي الحقيقي أمام السياسة الزراعية: حماية المزارع عندما يكون الإنتاج متوفرًا، وتوفير المنتج للمستهلك عندما يحدث نقص في المعروض.
ولعل أهمية الخطوة التي تعمل عليها وزارة الزراعة تكمن في الانتقال تدريجيًا من إدارة الاستيراد وفق مواعيد مسبقة إلى إدارة أكثر ارتباطًا بالمؤشرات الفعلية للإنتاج والسوق. وهذا النهج، إذا ما استمر تطويره، يمكن أن يجعل الروزنامة الزراعية أكثر قدرة على التعامل مع الظروف المناخية والإنتاجية المتغيرة.
فالقطاع الزراعي لا يحتاج فقط إلى حماية من المستورد، بل يحتاج أيضًا إلى سوق منظم وقرارات سريعة وبيانات دقيقة تساعد المزارع على اتخاذ قراره قبل أن يزرع، لا بعد أن يصل إنتاجه إلى السوق.
ومع التغير المناخي، ربما لم تعد القضية تحديد تواريخ للروزنامة الزراعية وإنما في قدرتها على مواكبة الواقع المتغير.
فالروزنامة الزراعية التي تحمي المنتج المحلي عندما تتوفر كمياته، وتراعي المستهلك، وتستجيب لحركة الإنتاج والسوق، يمكن أن تكون واحدة من أهم أدوات تنظيم القطاع الزراعي وتعزيز استدامته.

