صراحة نيوز – بقلم المحامي حسام العجوري
لم تكن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية زيارة بروتوكولية عابرة، بل جاءت في توقيت بالغ الأهمية، وفي مرحلة يبحث فيها الأردن عن شراكات اقتصادية واستثمارات قادرة على إحداث نقلة حقيقية في الاقتصاد الوطني.
ويُحسب لجلالة الملك أنه يضع الاستثمار والتنمية الاقتصادية في مقدمة أولوياته، ويدرك أن العلاقات الدولية في عالم اليوم لا تقوم فقط على السياسة والدبلوماسية، وإنما أصبحت الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا جزءاً أساسياً من قوة الدول.
ومن هنا تأتي أهمية الزيارة الملكية إلى الصين، الدولة التي أصبحت قوة اقتصادية وصناعية واستثمارية كبرى، وتمتلك شركات قادرة على تنفيذ مشاريع استراتيجية ضخمة في مختلف أنحاء العالم.
الصين… قوة استثمارية عالمية
عندما نتحدث عن الصين، فإننا نتحدث عن دولة تمتلك قاعدة صناعية هائلة، وشركات عالمية، وخبرات متراكمة في تنفيذ مشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل والصناعة والتعدين والتكنولوجيا.
والميزة الأهم أن الشركات الصينية لا تمتلك رأس المال فقط، وإنما تمتلك الخبرة الفنية والتكنولوجيا والقدرة على التنفيذ، وهو ما يحتاجه الأردن في عدد من القطاعات الحيوية.
والأردن يمتلك في المقابل موقعاً استراتيجياً مهماً، واستقراراً سياسياً وأمنياً، وموارد طبيعية وفرصاً استثمارية واسعة، إضافة إلى قربه من أسواق إقليمية كبيرة.
وهذه المعادلة تجعل من الأردن شريكاً مناسباً للاستثمارات الصينية طويلة الأجل.
عرض استثماري كبير قد يكون في الطريق
ولعل من أهم ما يمكن أن ينتج عن هذه الزيارة فتح الباب أمام عرض استثماري صيني كبير للمملكة، يتضمن مشاريع ضخمة في الطاقة وعدداً من المشاريع الحيوية والاستراتيجية.
وإذا تحولت هذه التوجهات إلى اتفاقيات ومشاريع فعلية، فإنها قد تشكل بداية مرحلة جديدة من الاستثمار في الأردن، خصوصاً إذا اتجهت المشاريع إلى القطاعات الإنتاجية التي يحتاجها الاقتصاد الوطني.
المطلوب اليوم ألا تبقى الاتفاقيات مجرد مذكرات تفاهم، وإنما أن تتحول بسرعة إلى مشاريع على أرض الواقع، ومصانع، ومحطات طاقة، ومشاريع استخراج، وبنية تحتية، وفرص عمل للأردنيين.
النفط والطاقة… فرصة مهمة مع الشركات الصينية
ومن القطاعات التي يجب أن تحظى باهتمام خاص قطاع النفط والغاز والطاقة.
فالشركات الصينية تمتلك خبرات واسعة في مجالات الاستكشاف والحفر والخدمات النفطية وتطوير الحقول وإنتاج النفط والغاز، إضافة إلى تنفيذ مشاريع الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بها.
وهنا يمكن للأردن أن يفتح باباً مهماً للتعاون مع الشركات الصينية في استكشاف وإنتاج النفط والغاز في المناطق والحقول الواعدة، وفق الدراسات الفنية والفرص الاستثمارية المتاحة.
فالأردن ما زال يمتلك مناطق تحتاج إلى مزيد من أعمال الاستكشاف والتقييم، وأي اكتشاف تجاري بكميات مجدية يمكن أن يحدث أثراً اقتصادياً كبيراً على المملكة.
والاستفادة من الخبرات الصينية في هذا المجال يمكن أن تكون من خلال شراكات استثمارية حقيقية تشمل الدراسات الجيولوجية والمسوح الزلزالية والحفر الاستكشافي وتطوير الحقول والإنتاج، وفق الأطر القانونية والاتفاقيات التي تعتمدها المملكة.
ولا ينبغي أن يقتصر التعاون في قطاع الطاقة على النفط فقط، بل يمكن أن يمتد إلى الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة وتخزين الطاقة وشبكات الكهرباء والمشاريع الصناعية المرتبطة بالطاقة.
وهذا التنوع مهم جداً للأردن، لأن أمن الطاقة أصبح جزءاً أساسياً من الأمن الاقتصادي الوطني.
لماذا لا تكون الصين شريكاً في مشاريع النفط الأردنية؟
الأردن بحاجة إلى استكشاف موارده الطبيعية بصورة أكبر، والصين تمتلك شركات عملاقة وخبرة طويلة في قطاع الطاقة والنفط والغاز.
لذلك فإن طرح فرص الاستثمار في الحقول والمناطق النفطية الأردنية أمام الشركات الصينية المتخصصة يمكن أن يكون خطوة عملية للاستفادة من هذه الخبرات.
والفكرة ليست البحث عن النفط لمجرد البحث، وإنما بناء شراكة استثمارية تتحمل فيها الشركات المتخصصة تكاليف الاستكشاف والتطوير وفق الاتفاقيات المعتمدة، وفي حال تحقيق اكتشافات تجارية يتم الانتقال إلى مراحل التطوير والإنتاج.
وهذا النموذج يمكن أن يوفر للأردن فرصة لاستثمار موارده الطبيعية دون تحميل الخزينة أعباء مالية كبيرة، مع ضمان حقوق الدولة وفق التشريعات والاتفاقيات المعمول بها.
الطاقة والمشاريع الحيوية
كما أن التعاون الصيني يمكن أن يشمل مشاريع أخرى استراتيجية يحتاجها الأردن، مثل مشاريع المياه، والنقل، والسكك الحديدية، والموانئ، والصناعة، والتعدين، والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتخزين الكهرباء.
والأهم أن يتم اختيار المشاريع على أساس الأولوية الاقتصادية والعائد على الأردن، وليس فقط على أساس حجم الاستثمار.
فالمشروع الناجح هو الذي يوفر فرص عمل، ويزيد الإنتاج، وينقل التكنولوجيا، ويخلق قيمة مضافة محلية، ويساعد الأردن على زيادة صادراته وتقليل فاتورته من الاستيراد.
المطلوب من الحكومة
زيارة جلالة الملك فتحت الباب، ولكن مسؤولية الحكومة تبدأ من هنا.
يجب إعداد قائمة واضحة بالمشاريع الاستثمارية الكبرى التي يمكن عرضها على الشركات الصينية، مع دراسات جدوى ومعلومات فنية وقانونية واضحة، وأن تكون هناك جهة واحدة قادرة على تسهيل الإجراءات أمام المستثمر.
كما يجب أن يكون هناك برنامج حكومي لمتابعة نتائج الزيارة، بحيث لا تنتهي الزيارة بانتهاء اللقاءات، بل تبدأ بعدها مرحلة العمل والتنفيذ.
نحن بحاجة إلى أن تتحول العلاقات الأردنية الصينية إلى مشاريع ملموسة يراها المواطن الأردني على أرض الواقع.
زيارة موفقة وفرصة لا يجوز إضاعتها
إن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين خطوة موفقة، لأنها تضع الأردن أمام فرصة حقيقية للتقارب مع واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والاستثمارية في العالم.
والملك عندما يفتح أبواب الاستثمار، فإن دور الحكومة والقطاع الخاص هو أن يدخلوا من هذه الأبواب بمشاريع جاهزة ومدروسة.
الصين لديها رأس المال والخبرة والتكنولوجيا والشركات القادرة على تنفيذ المشاريع الكبرى، والأردن لديه الموقع والموارد والكوادر البشرية والفرص الاستثمارية.
المعادلة واضحة: قيادة تفتح الأبواب، وحكومة تجهز المشاريع، وشركات صينية تمتلك القدرة والخبرة على التنفيذ.
وإذا نجح الأردن في تحويل هذه الفرصة إلى استثمارات حقيقية في النفط والغاز والطاقة والتعدين والمياه والصناعة والنقل والبنية التحتية، فقد تكون زيارة جلالة الملك إلى الصين بداية لمرحلة اقتصادية جديدة.
مرحلة لا يكون فيها الأردن مجرد سوق للاستثمار، بل مركزاً للمشاريع والإنتاج والتصدير إلى المنطقة.
كل التحية والتقدير لجلالة الملك عبدالله الثاني على هذه الخطوة، وعلى جهوده في فتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد الأردني.
والآن، الكرة في ملعب الحكومة.
نريد أن نرى نتائج الزيارة مشاريعَ تُقام على أرض الأردن، واستثماراتٍ تدخل المملكة، وأردنيين يعملون في هذه المشاريع، واقتصاداً وطنياً يتحرك إلى الأمام.

