بأبي وأمي وأولادي.. أنت أحبُ إلي من نفسي يا رسول الله ﷺ

5 د للقراءة
5 د للقراءة
بأبي وأمي وأولادي.. أنت أحبُ إلي من نفسي يا رسول الله ﷺ

صراحة نيوز- رامي المشاقبة يكتب

حين قال أصحاب رسول الله ﷺ: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله» لم تكن كلمة تُقال على عجل، ولا عبارة تُستهلك في المجالس.
كانت خلاصة إيمان، وترجمة حب استقر في القلوب قبل أن ينطق به اللسان. كان رسول الله ﷺ أحب إليهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم وأولادهم، لأنهم رأوا فيه النور الذي أخرجهم من الظلمات، والحق الذي لا يزيغ، والرحمة التي وسعت الدنيا.

وقد قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». فكان الإيمان مقروناً بمحبته، والمحبة مقرونة بالاتباع. وهنا يقف كل امرئ مع نفسه ويسأل: أين نحن من هذا الميزان؟ هل صار حب رسول الله ﷺ ذكرى نستدعيها في المناسبات، أم أنه منهج نحيا به في بيوتنا وأسواقنا وأخلاقنا؟

إن المحبة التي لا يصدقها العمل دعوى ناقصة. وليست المحبة كثرة صلاة باللسان مع مخالفة للهدي بالجوارح. وليست المحبة شعارات تُرفع ثم تُطوى، وسيرة تُذكر ثم تُهجر.
المحبة الصادقة أن نعرفه فنقتدي، وأن نحفظ سنته فنعمل، وأن نوقر مقامه فلا نسمح بانتقاصه، وأن نربي أبناءنا على هديه فنحي فيهم ما جاء به من صدق ورحمة وعدل. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. فالاتباع هو البرهان، والعمل هو الشاهد، والأخلاق هي الترجمة.

ومن المؤسف أن يتحول اسم رسول الله ﷺ في هذا الزمان إلى مادة للظهور ووسيلة للشهرة عند بعض من لا خلاق لهم.
فيتجرؤون على المقام الشريف بالافتراء والكذب وتلفيق الروايات وتحميل النصوص ما لا تحتمل، لا طلباً للحق ولا نصرةً للحقيقة، وإنما سعياً وراء لقطة ومتابع وانتشار. والأقبح أن يُتخذ من سيرته العطرة موضوعاً للإثارة الرخيصة، وأن تُستدر عواطف الناس باسم الدين ثم يُرمى بالمقام النبوي في سوق الجدل البارد.

إن من يتخذ الافتراء على رسول الله ﷺ طريقاً إلى الأضواء قد جمع إلى الكذب خيانة، وإلى التضليل متاجرة. والنبي ﷺ أعظم من أن يختزل في مادة إعلامية، وسيرته أطهر من أن تدنسها الأيدي العابثة، ومقامه أجل من أن يكون جسراً لمصلحة أو مطية لمكسب.
وقد حذر هو بنفسه أشد التحذير فقال ﷺ : «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».
فليتق الله كل من يتكلم باسمه بغير علم، وليعلم أن الكلمة أمانة، وأن الكذب عليه ليس كالكذب على أحد.

أما من باع دينه بعرض من الدنيا، وجعل من مقام النبوة سلعة يرتزق بها ويتسلق بها إلى الشهرة، فهو خائن لله ولرسوله ولأمانة الكلمة.
لا يهمه حق ولا باطل، إنما همه كم لايك وكم مشاهدة وكم درهم. وهؤلاء وإن علت أصواتهم اليوم، فمصيرهم إلى مزبلة التاريخ، واسم رسول الله ﷺ باقٍ يرف في قلوب المؤمنين إلى قيام الساعة.

ومن ظن أن الإساءة ستصنع له مجداً واهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. سيذهب الصوت ويبقى الاسم، وتذوي الفتنة ويبقى النور.

وإذا كان بعض الناس يزعمون محبته بالاحتفال بمولده في كل عام، فليعلموا أن محبة رسول الله ﷺ لا تكون بالمظاهر ولا بالأناشيد ولا بالموائد.
ولا تكون بالتعري والسقوط الأخلاقي والمهرجانات التي لا تمت لهديه بصلة. أي محبة هذه التي تُحيي ذكرى النبي ﷺ بمعصية الله؟ وأي وفاء هذا الذي يُكرم صاحب الخلق العظيم بانحلال يبغضه؟ إن الاحتفال الحق بمولده أن نحيي سنته كل يوم، وأن نربي أبناءنا على أخلاقه، وأن نغضب لسنته كما نغضب لأنفسنا. فمن أحبه صدقاً اتبعه، ومن ادعى المحبة وخالف الهدي فقد كذب.

وواجبنا أن نرد بالحق لا بالضجيج، وبالعلم لا بالعاطفة المجردة، وبالبيان لا بالتجريح.
واجبنا أن نحيي سنته في أنفسنا قبل أن ندافع عنها بألسنتنا.
أن نصدق كما أحب الصدق، ونرحم كما أحب الرحمة، ونعدل كما أمر بالعدل، ونحسن إلى الضعيف واليتيم والجار كما أوصى. وأن نجعل من بيوتنا ومدارسنا ومجتمعنا صورة عملية لما جاء به.

بأبي وأمي وأولادي وكل ما أحب يا رسول الله ﷺ. كلمات عظيمة لا يليق بها إلا قلب عرف قدر صاحبها. وحين تخرج من القلب الصادق تتحول إلى سلوك، وإلى موقف، وإلى حياة.

نسأل الله أن يرزقنا صدق محبتك، وحسن اتباعك، والثبات على سنتك، وأن يجمعنا بك في الفردوس الأعلى، وأن يسقينا من يدك الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شارك هذا المقال