صراحة نيوز- كتب: زياد فرحان المجالي
تُرى، كيف يُقاس رحيل القادة حين لا يعود مجرد تاريخٍ يُطوى في كتاب، بل يصير جرحًا يتجدد في وجدان أمة؟
في التاسع والعشرين من آب، لا يمرّ الاسم عابرًا في الذاكرة؛ فهزاع المجالي لم يكن مجرد رقم في قائمة رؤساء الوزارات، بل كان رجل دولة حمل الأردن في قلبه، واقترب من الناس حتى شعروا أن الدولة ليست جدارًا يفصلهم عنها، بل بيتهم الكبير.
لم تكن السياسة عنده أوراقًا تُقرأ خلف المكاتب المغلقة، بل مصافحةً دافئة، وابتسامةً في وجوه الناس، وصوتًا يصل إلى القرى والبوادي، يحمل هموم البسطاء ويمنحهم الشعور بأن المسؤول جزء من حياتهم، لا سلطة بعيدة عنهم.
كان هزاع يدرك أن أثمن ما يملكه السياسي ليس الكرسي ولا النفوذ، بل ثقة الناس ومحبتهم. لذلك لم يسمح للموقع ولا للحراسة أن يصنعا بينه وبين أهله جدارًا. وكان يعرف كذلك أن للكلمة الجريئة والموقف الشجاع ثمنًا، لكنه لم يتراجع؛ لأن عشقه للأردن كان أكبر من الحذر، وإيمانه بوطنه أعظم من الخوف على الذات.
وحين امتدت يد الغدر إليه، لم تكن تستهدف رجلًا وحده، بل كانت تحاول اغتيال معنى من معاني الدولة، وحلمٍ يلتف حوله الأردنيون، وروحٍ كانت تفيض بالإخلاص والانتماء.
سقط الجسد، وتلطخت الحجارة بالدماء، لكن المعنى بقي عصيًّا على الموت. فالغدر قد يوقف أنفاس إنسان، لكنه يعجز عن محو أثره من ذاكرة وطن.
ولعل أشد ما ينبغي أن يقلقنا اليوم ليس فقط غياب ذلك الجيل من الرجال الذين أسهموا بدمائهم ومواقفهم في رسم ملامح الدولة الأردنية، بل أن ننسى كيف أحب أولئك الرجال وطنهم: أحبوه بلا شروط، وأعطوه بلا حساب، ورأوا في المسؤولية تكليفًا لا امتيازًا، وفي خدمة الناس جوهر الدولة لا هامشها.
وهنا تصبح ذكرى هزاع المجالي أكثر من مناسبة لاستحضار الماضي؛ إنها سؤال موجه إلى الحاضر: كيف نحافظ على دولة يشعر فيها المواطن أن المسؤول قريب منه، وأن كرامته جزء من كرامة الوطن، وأن المنصب باب للخدمة لا سورًا للعزلة؟
رحيل هزاع المجالي لم يكن ختامًا لقصة، بل بداية لأمانة ثقيلة حملتها الأجيال من بعده: أن نحافظ على كرامة هذا التراب، وأن نبقى أوفياء لقيم الشجاعة والنخوة والإنسانية التي عاش من أجلها.
سيظل التاسع والعشرون من آب شاهدًا على أن الرجال قد يغيبون، لكن المواقف لا تموت، وأن الشرفاء حين يرحلون يتحولون إلى منارات تهتدي بها الأوطان عندما تتلاطم الأمواج.
رحم الله الشهيد هزاع المجالي، وستبقى ذكراه حية في ضمير الأردن، رمزًا للوفاء والشجاعة والتضحية، ورجلًا رحل جسده وبقي اسمه جزءًا من ذاكرة وطن لا تنسى أبناءها الأوفياء.

