الحضانة بين العدالة ومصلحة الطفل: هل آن الأوان لإعادة النظر في ميزان الحقوق بين الأب والأم؟

15 د للقراءة
15 د للقراءة
الحضانة بين العدالة ومصلحة الطفل: هل آن الأوان لإعادة النظر في ميزان الحقوق بين الأب والأم؟

صراحة نيوز- بقلم د. نور مشاقبة
ليست الحضانة معركة بين رجل وامرأة وليست جائزة تمنح لطرف وتعاقب بها الطرف الآخر. إنها في جوهرها مسؤولية إنسانية وقانونية وأخلاقية تتعلق بإنسان صغير لم يختر الانفصال، ولم يكن طرفاً في الخلاف، ولا ينبغي أن يتحول إلى أداة في صراع والديه. ومن هنا، فإن إعادة النظر في منظومة الحضانة في الأردن لا ينبغي أن تُفهم على أنها انتقاص من حقوق المرأة أو الأم، كما لا ينبغي أن تكون انتصاراً للرجل على حسابها؛ وإنما يجب أن تكون بحثاً جاداً عن نظام أكثر عدالة يضع مصلحة الطفل معياراً أولاً، ويضمن له – ما لم توجد أسباب حقيقية تمنع ذلك – وجود الأب والأم معاً في حياته.
القانون حين يضع ترتيباً للحضانة يجب ألا يتحول إلى حكم مسبق على الأهلية
ينص قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (15) لسنة 2019 في المادة (170) على أن الأم النسبية أحق بحضانة ولدها وتربيته، ثم تنتقل الأولوية إلى أمها، ثم أم الأب، ثم الأب، مع منح المحكمة إمكانية تقرير الحضانة لأحد الأقارب الأكثر أهلية بناءً على القرائن ولمصلحة المحضون. وهذا النص يعكس تصوراً تشريعياً للحضانة يقوم على ترتيب محدد للأولوية، لكنه يفتح في الوقت ذاته سؤالاً بالغ الأهمية:
هل يكفي ترتيب القرابة وحده للوصول دائماً إلى أفضل بيئة نفسية وتربوية للطفل؟
فالطفل ليس مجرد محل للحضانة، وليس موضوعاً إجرائياً ينتقل من شخص إلى آخر وفق ترتيب جامد؛ بل هو شخصية إنسانية لها احتياجات نفسية وعاطفية وتعليمية واجتماعية متغيرة، وقد تختلف حاجاته من حالة إلى أخرى. ولهذا، فإن العدالة الحديثة تقتضي أن يكون الترتيب القانوني وسيلة للوصول إلى مصلحة الطفل، لا بديلاً عن دراسة مصلحته الفعلية.
الأب ليس مجرد ممول للطفل
من أكثر الإشكالات التي تستحق النقاش أن الأب قد يجد نفسه، بعد الانفصال، في موقع يؤدي فيه واجباته المالية كاملة أو جزئياً، من نفقة ومسكن وتعليم وعلاج وسائر الالتزامات التي يفرضها القانون، بينما يبقى حضوره في الحياة اليومية للطفل محدوداً.
وهنا يجب أن نسأل بوضوح:
هل الأب الذي ينفق على طفله ويرعاه ويهتم بتعليمه وصحته ومستقبله ينبغي أن يُختزل دوره في دفع النفقة؟
إن الأبوة ليست حوالة مالية شهرية.
الأبوة حضور، وتربية، وتوجيه، واحتضان، وذاكرة، وقدوة، ومشاركة في صناعة شخصية الطفل.
وكذلك الأمومة ليست مجرد حق قانوني في الحضانة؛ إنها مسؤولية وحضور وتربية.
ولهذا فإن العدالة لا تتحقق عندما نقول للأب: ادفع ما عليك، ثم انتظر أن يسمح لك النظام بأن ترى طفلك.
كما أنها لا تتحقق أيضاً عندما نقول للأم: أنتِ أم، ولذلك فأنتِ دائماً الطرف الأحق مهما كانت الظروف.
فالقاعدة الأكثر عدلاً يجب أن تكون:
الأصل أن الطفل بحاجة إلى أب صالح وأم صالحة، والاستثناء هو حرمان أحدهما عندما تثبت أسباب حقيقية تتعلق بمصلحة الطفل.
لا يجوز أن تتحول الخلافات الزوجية إلى خصومة بين الطفل وأحد والديه
أخطر ما يمكن أن ينتج عن الانفصال ليس انتهاء العلاقة الزوجية، وإنما تحول الطفل إلى ساحة للصراع بين الزوجين السابقين. فحين يتحول الأب والأم إلى خصمين، قد يصبح الطفل – بقصد أو دون قصد – وسيلة ضغط أو انتقام أو مساومة.
وهنا تظهر الحاجة إلى فلسفة قانونية أكثر تطوراً:
الطلاق ينهي العلاقة الزوجية، لكنه لا ينهي الأبوة ولا الأمومة.
فالرجل قد يتوقف عن كونه زوجاً للمرأة، لكنه لا يتوقف عن كونه أباً لطفله.
والمرأة قد تتوقف عن كونها زوجة للرجل، لكنها لا تتوقف عن كونها أماً لطفلها.
ومن الخطأ أن يُسمح للخلاف بين الزوجين بأن ينتقل إلى علاقة الطفل بأحد والديه.
وجود الجدة في نظام الحضانة يحتاج إلى قراءة أكثر دقة
لا خلاف على القيمة العظيمة للجدة ودورها العاطفي والتربوي في الأسرة الأردنية، ولا يجوز الانتقاص من مكانتها.
لكن منح الجدة حقاً في الحضانة في حالات معينة يجب أن يقترن دائماً بسؤال أساسي:
هل وجود الطفل لدى الجدة يحقق فعلاً مصلحته الفضلى ويحافظ على علاقته الطبيعية بأبيه وأمه؟
فالمشكلة ليست في الجدة كشخص، وإنما في احتمال أن تتحول بعض ترتيبات الحضانة إلى حلقة إضافية تفصل الطفل عن أحد والديه.
وقد يصبح الخطر أكبر عندما تكون العلاقة بين الأب والجدة متوترة، أو عندما تستخدم الحضانة بصورة غير مباشرة لإبقاء الأب بعيداً عن طفله. لذلك لا ينبغي النظر إلى الحضانة باعتبارها مجرد انتقال الطفل من الأم إلى الجدة أو من الجدة إلى غيرها، بل ينبغي أن تكون هناك رقابة قضائية فعلية على البيئة التي يعيش فيها الطفل وعلى علاقته بكل من والديه. والأصل أن الجدة ينبغي أن تكون جسراً بين الطفل وعائلته، لا حاجزاً بينه وبين أبيه.
القانون الأردني نفسه يعترف بأهمية وجود الأب والأم
ومن المهم هنا ألا يُبنى النقاش على فكرة أن القانون الأردني تجاهل الأب تماماً.
فالتشريع الحالي أقر للأب والأم حق المبيت للمحضون الذي بلغ السابعة لمدة خمس ليالٍ في الشهر، كما نظم حق الرؤية والاستزارة والاصطحاب والاتصال بوسائل الاتصال الحديثة، وأعطى الأجداد والجدات حق الرؤية وفق الضوابط القانونية. كما أن قاضي القضاة عند عرض تعديلات قانون 2019 أكد أن من أهداف تنظيم المبيت والتواصل تحقيق مصلحة الطفل وحقه في التواصل مع كلا والديه. وهذا تطور مهم ينبغي البناء عليه، لا التوقف عنده.
فالسؤال اليوم ليس: هل نريد للأب أن يرى أبناءه؟
بل:
هل النظام الحالي يضمن بصورة عملية ومستقرة أن يبقى الأب والأم معاً جزءاً حقيقياً من حياة الطفل، أم أن بعض الإجراءات والظروف الواقعية قد تجعل الحق القانوني أقل من أن يكون حقاً فعلياً؟
العدالة لا تعني مساواة شكلية، وإنما إنصافاً حقيقياً
من الخطأ أن نطالب بالمساواة لمجرد المساواة.
فالرجل والمرأة مختلفان في الطبيعة والتكوين وبعض الأدوار، لكن اختلاف الأدوار لا يعني أن أحدهما أكثر قيمة من الآخر، ولا يعني أن الطفل لا يحتاج إلا إلى أحدهما.
لقد خلق الله الأسرة على التكامل، لا على الإلغاء.
والطفل يحتاج إلى حنان الأم، كما يحتاج إلى وجود الأب.
يحتاج إلى الأم التي تمنحه الأمان العاطفي، وإلى الأب الذي قد يؤدي دوراً مختلفاً في التوجيه والحماية وبناء الشخصية.
وهذا لا يعني أن كل أم صالحة، كما لا يعني أن كل أب صالح.
فالإنسان هو الذي يحدد سلوكه، وليس جنسه.
هناك أم عظيمة، وهناك أم قد تخطئ.
وهناك أب عظيم، وهناك أب قد يخطئ.
ولهذا يجب أن يكون معيار القانون:
الأهلية الفعلية، والاستقرار النفسي والاجتماعي، والقدرة على الرعاية، وسلوك الطرفين، ومصلحة الطفل.
لا مجرد كونه رجلاً أو امرأة.
ظهور مطالبات الآباء بالحضانة ليس ظاهرة ينبغي تجاهلها
إن ازدياد الأصوات المطالبة بحقوق الآباء بعد الانفصال يستحق أن يُقرأ اجتماعياً وقانونياً، لا أن يُختزل في وصفه بأنه محاولة لسلب المرأة حقوقها.
فوجود أب يطالب برعاية طفله لا يعني أنه أب سيئ.
ودفع الأب للنفقة لا يعني أن دوره انتهى عند المال.
وكذلك مطالبة الأم بحقها في رعاية أبنائها لا تعني أنها تريد إقصاء الأب بالضرورة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الحق إلى وسيلة لإلغاء حق الطرف الآخر.
وهنا يأتي دور المشرع.
فالمشرع لا ينبغي أن يقف مع الرجل ضد المرأة، ولا مع المرأة ضد الرجل.
بل يجب أن يقف مع الطفل ضد الظلم.
نحن بحاجة إلى معايير موضوعية للحضانة
ربما تكون أهم خطوة إصلاحية اليوم هي الانتقال تدريجياً من مفهوم “من له الأولوية؟” إلى مفهوم أكثر دقة:
“من هو الأكثر قدرة على تحقيق مصلحة الطفل في هذه الحالة؟”
ويمكن أن تشمل معايير التقييم، على سبيل المثال:
1. القدرة النفسية والعاطفية على رعاية الطفل.
2. الاستقرار السكني والأسري.
3. القدرة على متابعة التعليم والصحة.
4. السلوك الأخلاقي والاجتماعي للطرف.
5. عدم وجود عنف أو إساءة أو إهمال.
6. قدرة الطرف على احترام علاقة الطفل بالطرف الآخر.
7. عدم استخدام الطفل وسيلة للانتقام من الطرف الآخر.
8. مدى تعاون الأب والأم في اتخاذ القرارات المتعلقة بالطفل.
9. رغبة الطفل ورأيه بما يتناسب مع عمره ونضجه.
10. قدرة كل طرف على توفير بيئة مستقرة وآمنة.
11. مدى التزام كل طرف بتنفيذ أحكام الرؤية والمبيت والاتصال.
12. عدم تعمد إبعاد الطفل أو تغيير محل إقامته بما يعرقل علاقته بالطرف الآخر.
وهنا يصبح القانون أكثر قدرة على التعامل مع الواقع.
من الضروري التمييز بين الحضانة والولاية والنفقة
ومن الأخطاء الشائعة في النقاش الاجتماعي أن تختلط هذه المفاهيم.
فكون الأم حاضنة لا يعني أن الأب فقد أبويته.
وكون الأب ولياً أو مكلفاً بالنفقة لا يعني أن دوره يجب أن يكون إدارياً ومالياً فقط.
ولهذا ينبغي أن تكون هناك رؤية تشريعية متكاملة تجعل:
الحضانة = رعاية يومية
والأبوة والأمومة = علاقة مستمرة
والولاية = مسؤولية قانونية
والنفقة = التزام مالي
ولا يجوز أن يؤدي تنظيم أحد هذه الحقوق إلى إلغاء بقية الحقوق.
الأهم من الحضانة: ماذا سيبقى في ذاكرة الطفل؟
هذه هي النقطة التي ينبغي أن يفكر فيها المشرع والقاضي والأب والأم معاً.
بعد عشرين سنة، ماذا سيتذكر الطفل؟
هل سيتذكر أباً كان يأتي إليه ويشاركه أفراحه وأحزانه؟
هل سيتذكر أماً كانت تحافظ على صورته عن أبيه وتحميه من صراع الكبار؟
أم سيتذكر طفولة مقسمة بين طرفين، وخصومات، ومحاكم، ومواعيد رؤية، ورسائل متوترة، وكلمات قاسية عن الأب أو الأم؟
الطفل لا ينبغي أن يرث طلاق والديه.
ولا ينبغي أن يرث كراهيتهما.
ولا ينبغي أن يدفع ثمن أخطائهما.
نريد قانوناً يحمي المرأة ويحمي الرجل ويحمي الطفل
إن الدعوة إلى إعادة النظر في منظومة الحضانة ليست دعوة إلى انتزاع الأطفال من أمهاتهم.
وليست دعوة إلى منح الآباء الحضانة لمجرد أنهم آباء.
وليست حرباً على حقوق المرأة.
بل هي دعوة إلى أن يكون القانون أكثر قدرة على التمييز بين الحالات.
فالأم الصالحة يجب أن تحصل على حقها كاملاً.
والأب الصالح يجب أن يحصل على حقه كاملاً.
والأم التي تسيء إلى طفلها لا ينبغي أن يحميها القانون لمجرد كونها أماً.
والأب الذي يسيء إلى طفله لا ينبغي أن يحميه القانون لمجرد كونه أباً.
الميزان الحقيقي هو الطفل.
وفي الأردن… العدالة ممارسة لا شعاراً
إننا في الأردن، وفي ظل الراية الهاشمية، نؤمن بأن الدولة العادلة هي التي تحمي الإنسان، وتحفظ كرامته، وتصون الأسرة، وتضع التشريعات التي تمنع تغول طرف على طرف.
والحديث عن حقوق الإنسان لا ينبغي أن يكون حديثاً عن حقوق المرأة فقط أو حقوق الرجل فقط.
فالمرأة إنسان.
والرجل إنسان.
والطفل إنسان.
والعدالة التي تحمي أحدهم من الظلم يجب أن تحمي الآخر من الظلم أيضاً.
ومن هنا فإن تطوير قانون الحضانة لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه انتصاراً لفئة اجتماعية على أخرى، بل باعتباره استجابة طبيعية لتغير المجتمع وتطور احتياجات الأسرة وتراكم الخبرة القضائية والاجتماعية.
وإذا كان القانون قد تطور في عام 2019 بإدخال تنظيم المبيت ووسائل الاتصال الحديثة، فإن التطور التشريعي يجب أن يبقى عملية مستمرة تراجع آثار التطبيق وتتعامل مع الواقع الاجتماعي المتغير.
نحو عقد اجتماعي جديد بعد الطلاق
ربما نحتاج اليوم إلى فلسفة جديدة تقول:
انتهى الزواج، لكن لم تنتهِ الأسرة.
انتهت العلاقة الزوجية، لكن بقي الأب أباً، وبقيت الأم أماً، وبقي الطفل ابناً لهما معاً.
ولهذا يجب أن يكون الأصل بعد الطلاق هو التعاون الأبوي لا التنازع الأبوي.
وأن يكون منع أحد الوالدين من الطفل استثناءً تفرضه مصلحة الطفل وبقرار مبني على أسباب موضوعية، وليس نتيجة تلقائية للخلاف بين الزوجين.
كما يجب أن تكون هناك آليات تنفيذ سريعة وفعالة تمنع تعطيل أحكام المبيت والرؤية والاصطحاب والاتصال، فالقانون الذي يمنح الحق دون أن يضمن تنفيذه عملياً يظل بحاجة إلى التطوير. والقانون الأردني نفسه يرتب آثاراً على امتناع الحاضن عن تمكين المحكوم له من المبيت أو الرؤية أو الاستزارة أو الاصطحاب أو الاتصال بالمحضون دون عذر وتكرر ذلك بعد الإنذار، بما في ذلك إمكان إسقاط الحضانة مؤقتاً ونقلها إلى من يليه وفق الشروط القانونية.
الخلاصة: لسنا مع الرجل ضد المرأة… نحن مع العدالة
حين أطالب بإعادة النظر في قانون الحضانة لا أقف ضد المرأة، كما أنني حين أدافع عن حق الأب لا أهاجم الأم.
أنا مع العدالة.
مع الأم عندما تكون مظلومة.
ومع الأب عندما يكون مظلوماً.
ومع الطفل دائماً عندما يكون هو الضحية.
أنا مع أن تكون الحضانة مسؤولية لا سلاحاً.
ومع أن تكون النفقة واجباً لا بديلاً عن الأبوة.
ومع أن تكون الأمومة حقاً ومسؤولية، لا أداة لإلغاء الأب.
ومع أن تكون الأبوة حضوراً ومسؤولية، لا مجرد دفع نفقة.
ومع أن تكون الجدة سنداً للأسرة، لا وسيلة لعزل الطفل عن أبيه.
ومع أن يكون القضاء حَكَماً بين الخصوم، لا طرفاً في صراعهم.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من سؤال: “من يأخذ الطفل؟” إلى سؤال أكثر إنسانية وعدالة: “ما الذي يحتاجه الطفل؟”
وإذا كانت مصلحة الطفل تقتضي أن يكون مع أمه، فلتكن أمه.
وإذا كانت تقتضي أن يكون مع أبيه، فليكن أبوه.
وإذا كانت مصلحته تقتضي أن يبقى قريباً من الاثنين، فعلينا أن نبني قانوناً وآليات تنفيذية تجعل ذلك ممكناً.
فالطفل ليس ملكاً للأب، وليس ملكاً للأم.
الطفل أمانة.
والتشريع العادل هو الذي يحمي هذه الأمانة من أن تتحول إلى ورقة ضغط في يد أي طرف.
وأنا كنت، وسأبقى، مع العدالة دائماً؛ مع وضع معيار يمنع تغول طرف على طرف، سواء في الحضانة أو في غيرها، ومع قانون يحمي المرأة والرجل والطفل في آن واحد، لأن العدالة الحقيقية لا تنحاز إلى جنس، وإنما تنحاز إلى الحق.

 

شارك هذا المقال