صراحة نيوز- د.عبد الفتاح طوقان
عندما يصبح طفل الألعاب الإلكترونية أقرب الي حرب المستقبل من بعض جنرالات وألوية الماضي فما هو الحل ؟ سـؤال تبادر الي ذهني مع التعيينات الحديثة الأخيرة العسكرية التى تمت في الاردن ومصر .وهنا اذكر انه لأكثر من قرن، كان الطريق إلى رئاسة هيئة الأركان معروفاً تقريباً: سنوات طويلة من الخدمة، تدرّج في الرتب، قيادة وحدات وتشكيلات، دراسة في كليات القيادة والأركان، ثم خبرة عملياتية تؤهل صاحبها للوصول إلى قمة المؤسسة العسكرية. وقضية الخبرة العملياتية هي مجال نقاش وجدل على وسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض لها من قبل كبار الضباط العسكريين اصحاب الخبرة والمهارة ممن يحظون باحترام كبير من زملائهم العسكريين ورجالات الدولة السياسيين.
لكن ماذا لو تغيرت الحرب أسرع من تغير شروط اختيار من يقودها؟وماذا لو كنا نختار أحياناً رئيس هيئة اركان قائد حرب المستقبل وفق معايير صُممت لحروب القرن الماضي؟
السؤال هنا ليس انتقاصاً من الجنرالات والالوية ولا من قيمة الخبرة العملياتية، بل سؤال يتعلق بالأمن القومي ذاته: هل ينبغي إعادة تعريف شروط اختيار رئيس هيئة الأركان في عصر المسيّرات والذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية والفضاء والصواريخ بعيدة المدى؟
والسؤال الأكثر استفزازاً: هل يمكن أن يكون الضابط الأكثر خبرة ميدانياً أقل استعداداً لحرب المستقبل من ضابط أصغر منه رتبة وسناً، لكنه أكثر فهماً للتكنولوجيا والخوارزميات والحرب الرقمية؟ وخصوصا ان الجيل الحالي أطفاله أكثر خبره وسرعه ودقة في استخدامات التكنولجيا والألعاب الإلكترونية التي صممت على شكل حروب ومعارك ومسيرات وغيرها !!!
وهنا يبرز التساؤل :” هل مازالت الأقدمية تعني الجاهزية للمستقبل ؟” فالجيوش بطبيعتها مؤسسات هرمية، والخبرة المتراكمة فيها قيمة لا يمكن الاستهانة بها. لكن التكنولوجيا لا تعترف كثيراً بالأقدمية لأن الخوارزمية لا تسأل عن رتبة من يستخدمها، والمسيّرة لا تعرف عدد سنوات خدمته، والحرب السيبرانية لا تحترم النجوم المعلقة على الكتفين.
قد يمتلك جنرال أربعين عاماً من الخبرة العسكرية، بينما يمتلك مهندس في العشرينيات من العمر فهماً أعمق لمنظومة يمكنها تغيير موازين معركة كاملة ، وهنا يظهر التناقض الذي ستواجهه المؤسسات العسكرية ولذلك دوما السؤال هل الرتبة الأعلى تعني دائماً الفهم الأفضل للحرب القادمة؟ والإجابة المؤكده : بالطبع لا.
لكن هذا لا يعني أن المهندس يستطيع أن يحل محل اللواء او الجنرال. بل يعني أن المؤسسة العسكرية مطالبة بإعادة النظر في تعريفها للخبرة نفسها وللعلم فأن رئيس هيئة الأركان في المستقبل لن يدير دبابات وطائرات وسفناً فقط، بل سيتحول من قائد القوات الي مهندس القوة الوطنية. ليس ذلك فقط، بل سيكون رئيس هيئة الأركان أمام منظومة تضم الأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، والمسيّرات، والحرب الإلكترونية، والأمن السيبراني، والبيانات، والصواريخ، وشبكات الاتصالات، والصناعة الدفاعية، وسلاسل الإمداد، إضافة إلى القوات التقليدية.
ولذلك ربما لم يعد السؤال المناسب عند اختيار رئيس هيئة الأركان:
كم لواءً أو فرقة قاد؟ وهل خلفيته عملياتية او قائد طائرة ؟او تدرج في المكاتب والاستخبارات حتى وصل الى اعلى رتبة ؟
بل يجب أن تضاف إليه أسئلة أخرى:
هل يفهم الذكاء الاصطناعي وحدوده؟
هل يستطيع مناقشة مهندسي الأنظمة الذاتية والسيبرانية؟
هل يفهم كيف يمكن لهجوم إلكتروني أن يشل البنية العسكرية للدولة؟
هل يستطيع إدارة حرب متعددة المجالات في اللحظة نفسها؟
وهل يستطيع، قبل كل ذلك، التمييز بين قرار اقترحته الخوارزمية وقرار ينبغي للدولة اتخاذه؟
و بالمناسبة فأن طفل الثانية عشرة من العمر هل يصلح ان يكون رئيسا لهيئة الأركان هو سؤال قد لا يكون ساخرا ، ولنراقب طفلاً في الثانية عشرة أمام لعبة استراتيجية أو جهاز تحكم بمسيّرة وهو يدير عشرات العناصر على الشاشة في وقت واحد، ويتعامل بصورة طبيعية مع بيئة رقمية يحتاج شخص أكبر منه بعقود إلى وقت طويل لفهمها. هل هو مؤهل لان يعتلى المنصب ؟ بالتـأكيد هذا لا يجعل الطفل قائداً عسكرياً فالقدرة على تشغيل النظام شيء، وتحمل مسؤولية الحرب شيء آخر تماماً.
الحرب تحتاج إلى النضج والخبرة والقانون والأخلاق، والسياسة وفهم المجتمع والإنسان، ولكن السؤال المزعج يظل قائماً:ماذا لو أصبحت المهارات التي يكتسبها طفل اليوم أثناء اللعب جزءاً أساسياً من المهارات المطلوبة لإدارة حرب الغد؟
قد لا نرى طفلاً في الثانية عشرة رئيساً لهيئة الأركان، ولكننا بالتأكيد سنرى جنرالاً او لواءا بدأ تعلم عالم المحاكاة والخوارزميات والواقع الافتراضي منذ طفولته.
وربما يكون هذا الفارق بين جيلين من القادة أكبر مما نتصور.
الخطر الأكبر ليس أن يحل الطفل محل الجنرال او اللواء بل عندما يصبح الذكاء الاصطناعي عضوا غير معلن في هيئة الأركان و مجلس الحرب !! والخطر الحقيقي أن تبدأ الخوارزمية في الجلوس مجازياً إلى طاولة هيئة الأركان ، فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل كميات هائلة من المعلومات، وربط بيانات الرادارات والأقمار الصناعية والمسيّرات والاستخبارات والطقس والاتصالات، ثم تقديم احتمالات وخيارات بسرعة لا يستطيع الإنسان منافستها.
في البداية سيقول رئيس هيئة الأركان و القائد: أعطني المعلومات ، ثم بعدها : أعطني الخيارات يليها : ما الخيار الأفضل؟ وبعد ذلك قد يأتي السؤال الأخطر:
لماذا لا تنفذ الخيار إذا كان الوقت لا يسمح بانتظار موافقتي؟
هنا لا تعود القضية تقنية، بل تصبح قضية سياسية ودستورية وأخلاقية.
وهنا نتسائل من يملك وقتها قرار الحرب فعلياً؟ الحاكم بمفرده ؟ الحكومة؟ القيادة العسكرية؟ الضابط الموجود في مركز العمليات؟ أم المنظومة التي أصبحت سرعتها شرطاً لبقاء الدولة نفسها؟
لذلك ربما نحتاج الي تغيير شروط اختيار رئيس هيئة الأركان إذا تغيرت طبيعة الحرب، فمن المنطقي أن تتغير معايير اختيار من يقودها. و ايضا قد يصبح من الضروري مستقبلاً ألا تكفي الأقدمية والخدمة العملياتية والقيادة الميدانية وحدها، بل تضاف إليها كفاءة استراتيجية-تكنولوجية إلزامية.
وهنا ليس المطلوب تحويل رئيس الأركان إلى مبرمج، تماماً كما لا يشترط أن يكون مهندس طيران حتى يقود قوة جوية لكن يجب أن يكون قادراً على فهم التكنولوجيا بما يكفي ليحكم عليها، لا أن يخضع لسلطة من يفهمها نيابة عنه. وقد يصبح من المشروع أن تتضمن معايير الاختيار مستقبلاً القدرة على إدارة الحرب متعددة المجالات، وفهماً عملياً للذكاء الاصطناعي والسيبرانية والأنظمة الذاتية والفضاء، إلى جانب الخبرة العملياتية والاستراتيجية التقليدية.
عندها لن يكون السؤال: من أقدم الجنرالات؟ بل: من أصلحهم لقيادة الحرب التي لم تبدأ بعد؟
و لكن من هنا تبدأ السلسلة والتي تستدعي تغيير معايير اختيار رئيس هيئة الأركان لأنها لم تعد مسألة عسكرية داخلية فقط ولأن رئيس الأركان يقف عند نقطة شديدة الحساسية بين القوة العسكرية والقرار السياسي وكلما ازدادت التكنولوجيا سرعة، تقلص الزمن المتاح أمام القيادة السياسية للتفكير.
وفي عالم تستطيع فيه أنظمة الإنذار والذكاء الاصطناعي اكتشاف تهديد وتحليله واقتراح الرد خلال ثوانٍ، قد تجد الدولة نفسها أمام مفارقة خطيرة: التكنولوجيا المصممة لحماية القرار السياسي قد تبدأ عملياً في فرض إيقاعها عليه ولذلك يجب أن يكون رئيس الأركان المستقبلي ليس مجرد خبير حرب، بل حارساً للعلاقة بين الخوارزمية والبندقية والسلطة السياسية فالقرار العسكري يجب ألا يتحول إلى قرار هندسي بحت.
السؤال الأكثر حساسية مكون مشقين وربما يكون هو هل تستطيع مؤسسة عسكرية في عصر الذكاء الاصطناعي أن تبقى مغلقة معرفياً على العسكريين وحدهم؟ ام ينبغي كسر احتكار العسكريين التقليديين لفهم الحرب ؟ هذه الحرب المقبلة التي، بل شك ستحتاج التخطيط لها إلى اللواء والجنرال والمهندس وعالم البيانات وخبير الفضاء والمتخصص السيبراني والاقتصادي والقانوني وعالم النفس فالقدرة العسكرية لم تعد تنتج داخل الثكنة وحدها.
قد تكون شركة برمجيات، أو مختبر ذكاء اصطناعي، أو مصنع أشباه موصلات، أو شبكة أقمار صناعية ذات أهمية استراتيجية تضاهي ان لم تتفوق على بعض التشكيلات العسكرية.
ومن هنا فإن رئيس هيئة الأركان الناجح لن يكون الرجل الذي يعرف كل شيء، فهذا أصبح مستحيلاً، وإنما الرجل الذي يعرف كيف يجمع من يعرفون.
لهذا ربما يكون أفضل رئيس هيئة أركان للمستقبل مزيجاً يبدو متناقضاً:
خبرة لواء جنرال، وعقل مهندس، وفضول طفل، وحكمة رجل دولة، ولكن الخاطر هل يستطيع عندها ان يقول اللواء رئيس هيئة الأركان لآلة والذكاء الاصطناعي : لا
يحتاج إلى الخبرة العملياتية كي يعرف ثمن الحرب، وإلى الثقافة التكنولوجية كي يفهم أدواتها، وإلى التفكير النقدي كي لا يصبح أسيراً للخوارزمية، وإلى النضج السياسي كي يدرك أن الانتصار العسكري لا يعني دائماً انتصار الدولة. فأخطر قائد في عصر الذكاء الاصطناعي ليس القائد الذي لا يستخدم التكنولوجيا، بل ربما يكون القائد الذي يثق بها أكثر مما ينبغي.
والسؤال الأخير الذي خطر على بالي :من يختار من ؟ او ربما حان الوقت لكي تعيد الدول النظر ليس في أسماء قادة جيوشها، بل في فلسفة اختيارهم.
فالمطلوب لم يعد البحث عن أفضل لواء جنرال خاض حروب الأمس، او اقل لواء تدرب في الاستخبارات البريطانية او الامريكية ، وإنما عن أفضل رئيس هيئة اركان وقائد يستطيع فهم حرب الغد قبل أن تبدأ وقد لا يكون طفل الثانية عشرة هو من سيدير الحرب مستقبلاً، لكن العالم الرقمي الذي ينشأ فيه ذلك الطفل سيعيد بالتأكيد تعريف معنى القيادة العسكرية وهنا تصبح القضية أكبر من المسيّرات وألعاب الفيديو.
هل يجب أن تتغير معايير تعيين رئيس هيئة الأركان بحيث تصبح المعرفة الاستراتيجية بالذكاء الاصطناعي والسيبرانية والفضاء والأنظمة الذاتية شرطاً جوهرياً للمنصب، إلى جانب الخبرة العملياتية؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فعلينا أن نطرح السؤال الأصعب: هل المؤسسات العسكرية مستعدة فعلاً لاختيار رئيس هيئة الأركان وقائد المستقبل، حتى لو لم يكن هو النموذج التقليدي للواء او للجنرال الذي اعتادت اختياره؟
ثم يأتي السؤال الذي يتجاوز المؤسسة العسكرية إلى الدولة والإنسان نفسه:
إذا أصبحت الآلة أسرع من اللواء أو الجنرال في قراءة المعركة، وأدق منه في تحليل البيانات، وأقدر على توقع الاحتمالات، فمن سيكون رئيس هيئة الاراكن والقائد الحقيقي؟
ربما تكون أهم صفة في رئيس هيئة الأركان ليست قدرته على إصدار الأمر بالهجوم، بل امتلاكه المعرفة والشجاعة والسلطة التي تجعله، عندما تقول الخوارزمية: «نفّذ»، قادراً على أن يسأل:لماذا؟ ثم، إذا اقتضت الحكمة الإنسانية، أن يقول:«لا» فهو قادر عليها ولن تفرض عليه ويصدر القرارا من الالة.
واقصد انه في الثمانينات شاركت في وضع الدراسات وقدمت محاضرات عن “الحرب الإلكترونية ” بسلاح الجو ، لكن وقتها لم تكن هناك خوارزميات ولا تشات جي بي تي ولا ذكاء اصطناعي وكان القرار لا يزال للانسان اي لرئيس هيئة الاركان و الذي يرفعه الي الملك والذي بمفرده ووحده هو الذي يعلن الحرب بموجب الدستور الاردني و يعقد الصلح و يبرم المعاهدات و الاتفاقات ويتكامل ذلك مع الماده ٣٢ من الدستور التى تؤكد ان الملك هو القائد الأعلى للقوات البرية و البحرية و الجوية فكيف سيتم ذلك مستقبلا بوجود الالة ؟, وايضا الرئيس في الدستور المصري وفقا للمادة ١٥٢ لا يعلن الحرب الا بعد اخذ رآي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب باغلبية الأعضاء ويسرى ذلك ايضا في حال إرسال القوات المسلحة المصرية في مهمة قتالية خارج مصر ولكن ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي والآلة و الخوارزميات جزءا من مجلس الدفاع لمن سيكون القرار ؟ سؤال يحتاج الي مراجعة و بحث شامل في اعلى المستويات العسكرية.
Aftoukan@yahoo.com

