استشارية نفسية أسرية: ترند الثمانينات… نوعٌ من الهروب النفسي الصحي المؤقت

5 د للقراءة
5 د للقراءة
استشارية نفسية أسرية: ترند الثمانينات… نوعٌ من الهروب النفسي الصحي المؤقت

صراحة نيوز – د. حنين البطوش
استشارية نفسية أسرية وتربويّة

هل نحن فعلًا نشتاق إلى الثمانينات والتسعينات، أم أننا نشتاق إلى شيء افتقدناه في حاضرنا؟

تقول الاستشارية النفسية الأسرية والتربوية حنين البطوش إن الانجذاب المتزايد إلى صور الثمانينات والتسعينات، والأغاني القديمة، والملابس الكلاسيكية، والفلاتر التي تعيد الأشخاص بصريًا إلى حقب زمنية سابقة، لا يمكن النظر إليه دائمًا باعتباره مجرد تقليد لترند اجتماعي عابر، بل قد يحمل في كثير من الأحيان دلالات نفسية مرتبطة بالحنين والحاجة إلى الراحة والانفصال المؤقت عن ضغوط الحاضر.

وتوضح البطوش أن الإنسان يعيش اليوم وسط تدفق متواصل من الأخبار والإشعارات والمقارنات الاجتماعية والمسؤوليات المهنية والأسرية والضغوط الاقتصادية، وهو ما يجعل الجهاز النفسي في حالة استثارة شبه مستمرة. ومع هذا الكم من الضغوط، يبحث الإنسان بصورة طبيعية عن مساحات تمنحه شعورًا مختلفًا وأكثر خفة، وهنا قد تظهر بعض الترندات كنوع من الاستراحة الوجدانية أو الهروب النفسي الصحي المؤقت، وليس بمعنى رفض الواقع أو إنكاره، وإنما الابتعاد عنه للحظات بهدف تخفيف التوتر واستعادة شيء من التوازن النفسي.

فعندما يرى الإنسان نفسه بملابس الثمانينات، أو يسمع أغنية قديمة، أو يعيد تكوين صورة من زمن مضى، فإنه يدخل مؤقتًا في مساحة من الخيال والحنين، وقد يشعر بالبساطة والدفء والأمان. ومن الناحية النفسية، يمكن أن يؤدي ذلك دورًا في تنظيم الانفعالات، لأن الإنسان المرهق لا يحتاج دائمًا إلى حل المشكلة فورًا، بل قد يحتاج أحيانًا إلى خفض حدة التوتر حتى يصبح أكثر قدرة على العودة إلى واقعه والتعامل معه بهدوء ومرونة أكبر.

وترى البطوش أن ما نشتاق إليه أحيانًا ليس الحقبة الزمنية نفسها، بل الشعور المرتبط بها. فقد يرمز الماضي لدى البعض إلى بيت العائلة، ووجود الوالدين، وقلة المسؤوليات، وقرب العلاقات، أو إلى نسخة سابقة من الذات كانت أكثر عفوية وأقل انشغالًا. لذلك عندما يقول شخص: «زمان كانت الحياة أجمل»، فقد لا يكون يقارن بين زمنين بصورة موضوعية، بل بين ذاته الحالية المثقلة بالمسؤوليات وذاته القديمة الأقل حملًا لها.

وتشير إلى أن الذاكرة الإنسانية بطبيعتها انتقائية؛ فنحن لا نتذكر الماضي كما حدث تمامًا، بل كما بقي أثره العاطفي في داخلنا. ولهذا قد تصبح الذكريات الجميلة أكثر حضورًا بمرور الوقت، بينما تخف حدة بعض التفاصيل السلبية، فيتشكل لدينا تصور أكثر دفئًا عن الماضي.

ومن هنا يمكن أن يتحول الحنين إلى مؤشر يكشف شيئًا من احتياجات الإنسان الحالية. فالاشتياق إلى بيت الجدة قد يعكس حاجة إلى الاحتواء، والحديث المتكرر عن قرب الناس قد يشير إلى افتقاد التواصل الحقيقي، والقول إن «الحياة كانت أبسط» قد يكون تعبيرًا غير مباشر عن الإرهاق النفسي الحالي. وهنا يصبح السؤال الأهم: ليس لماذا أشتاق إلى الماضي فقط، بل ما الشعور الذي كان يمنحني إياه ذلك الماضي وأفتقده اليوم؟

وفي المقابل تؤكد البطوش أهمية التمييز بين الاستراحة من الواقع والهروب من الواقع، ففي الحالة الصحية يستمتع الإنسان بالترند، ويضحك ويتخيل ويستعيد بعض الذكريات، ثم يعود إلى حياته ومسؤولياته بصورة طبيعية. أما عندما يصبح الماضي أو العالم الافتراضي المكان الوحيد الذي يشعر فيه بالراحة، ويبدأ الشخص في رفض الحاضر أو إهمال مسؤولياته أو الاعتقاد المستمر بأن كل ما مضى كان أفضل، فقد يتحول الحنين من مساحة نفسية مريحة إلى شكل من أشكال التجنب.

وتضيف أن المشكلة ليست في الترند نفسه، وإنما في الوظيفة النفسية التي يؤديها في حياة الشخص؛ فقد يكون مساحة للترفيه والتواصل واستعادة الذكريات وتجديد الطاقة النفسية، وقد يصبح لدى شخص آخر وسيلة للهروب المستمر من مشاعر أو مشكلات تحتاج إلى المواجهة.

وعلى الصعيد الأسري، ترى البطوش أن لهذه الترندات جانبًا إيجابيًا لافتًا، إذ قد تتحول صورة واحدة من الثمانينات إلى مدخل لحوار عائلي كامل؛ فتسأل الابنة والدتها عن شبابها، ويروي الأب قصة من أيام الجامعة، وتُفتح ألبومات الصور القديمة، فتتحول الظاهرة من مجرد محتوى رقمي إلى جسر بين الأجيال ووسيلة لاستعادة الذاكرة العائلية وتعزيز الشعور بالانتماء.

وتختتم البطوش بقولها إن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى مساحة من الخيال والمرح والحنين حتى يستعيد توازنه النفسي، فليس كل هروب مؤقت سلبيًا، لكن الفارق يكمن في القدرة على العودة إلى الواقع.

فالاستراحة النفسية تقول: «أحتاج إلى لحظة أتنفس فيها بعيدًا عن الضغط»، أما التجنب فيقول: «لا أريد العودة إلى واقعي». وبين الاثنين يكمن الفرق بين خيال يمنحنا الراحة، وهروب يؤجل مواجهة ما نحتاج فعلًا إلى تغييره.

شارك هذا المقال