صراحة نيوز – بقلم: زياد فرحان المجالي
حين أكتب عن التلفزيون الأردني، يصعب عليّ أن أكتب ببرودة المراقب من الخارج؛ فأنا واحد من أبناء هذه المؤسسة، عشت فيها سنوات من العمر والعمل، وتعلمت بين استوديوهاتها وممراتها ما لا تمنحه الجامعات وحدها. ولهذا فإن الحديث عنها بالنسبة إليّ ليس استعادةً للماضي، بقدر ما هو وفاء لمدرسة إعلامية أسهمت في صناعة جزء مهم من تاريخ الإعلام العربي.
بدأ التلفزيون الأردني بثه عام 1968، وكان المرحوم محمد كمال من أبرز مؤسسيه ورواده، قبل أن يأتي جيل آخر واصل البناء. وعندما اندمجت الإذاعة والتلفزيون عام 1985 في مؤسسة واحدة، تولى الأستاذ نصوح المجالي إدارة المؤسسة في مرحلة مهمة من تاريخها، واستمر ذلك الصرح في تكوين أجيال من الإعلاميين والفنيين والمخرجين والمهندسين الذين انتشر أثرهم خارج حدود الأردن.
لكن سر التلفزيون الأردني لم يكن في المبنى ولا في أجهزة البث وحدها. كان السر في الناس.
كنا، شبابًا وفتيات، نعيش حالة أقرب إلى الأسرة. المذيع يعرف المخرج، والمخرج يعرف المصور، والمهندس يشعر أن نجاح البرنامج نجاح له، وكان الانتماء إلى المؤسسة يتجاوز حدود الوظيفة والراتب. ومن هذه البيئة خرجت مدرسة حقيقية في الالتزام والانضباط والمهنية.
ولعل أعظم شهادة لهذه المدرسة أن أبناءها لم يبقوا داخل الأردن.
لقد انتشرت الكفاءات الأردنية في الخليج؛ في سلطنة عُمان والإمارات وقطر والكويت وغيرها، وأسهمت في تأسيس وتطوير تجارب تلفزيونية عربية مهمة. وحتى قناة الجزيرة، التي أصبحت واحدة من أشهر الشبكات العربية في العالم، كان أول مذيع يظهر على شاشتها الراحل جمال ريان، وهو ابن المدرسة الأردنية الذي بدأ مسيرته في الإذاعة والتلفزيون الأردني.
وأنا شخصيًا كنت واحدًا ممن ذهبوا حاملين شيئًا من هذه المدرسة إلى سلطنة عُمان.
هناك رأيت بنفسي كيف تستطيع الخبرة الأردنية أن تنجح خارج حدودها. لم يكن دور الأردنيين أن يجعلوا التلفزيون العُماني نسخة من التلفزيون الأردني، بل كان نجاحهم الحقيقي في أنهم فهموا المجتمع العُماني واحترموا خصوصيته، وأسهموا بخبرتهم الفنية والمهنية في إبراز هويته الوطنية والقومية على الشاشة.
ولا يمكن أن أتذكر تلك المرحلة دون أن أترحم على الأستاذ إحسان رمزي شقم، طيب الله ثراه، الذي كان من أبرز الأسماء في تلك التجربة، ومعه مجموعة من الكفاءات الأردنية التي تركت بصمتها بجدارة. ومن المهندسين أتذكر علي أبو كويك، الذي تولى مسؤوليات هندسية مهمة، والمهندس حسان مرعي، ومن المخرجين محمد الطراونة ومنذر الشوا، وغيرهم كثير ممن حملوا خبرة التلفزيون الأردني إلى عُمان، كما حملها زملاؤهم إلى دبي وقطر والكويت والإمارات وغيرها من الدول العربية.
وهنا تكمن قيمة تلك المدرسة: لم تكن تخرّج موظفين لشاشتها فقط، وإنما كانت تصنع خبرات يستطيع أصحابها أن يدخلوا مؤسسة إعلامية في بلد آخر وأن يتركوا فيها أثرًا مهنيًا واضحًا.
وفي سنوات ازدهاره، لم يكن التلفزيون الأردني محطة محلية محدودة. كانت استوديوهاته مقصدًا للفنانين والمطربين ونجوم الدراما من مختلف أنحاء الوطن العربي. ومرّت مرحلة أصبحت فيها عمّان واحدة من محطات الإنتاج الدرامي والفني العربي المهمة، وكانت الأعمال الأردنية تُشاهد في بيوت العرب، ويحظى الفنان والمخرج والفني الأردني بمكانة تجاوزت حدود الوطن.
لقد كان الحضور في استوديوهات التلفزيون الأردني بالنسبة إلى كثير من الفنانين العرب محطة لها قيمتها وهيبتها.
ثم تغير الإعلام، وظهرت الفضائيات الخاصة، ودخل عصر الأقمار الصناعية والمنصات الرقمية، وتضاعفت الإمكانات المالية والتقنية للمنافسين. ومع ذلك بقي التلفزيون الأردني يملك شيئًا لا يُشترى بالمال: ذاكرة وطن، ومدرسة مهنية، وكادرًا راكم خبرة أكثر من نصف قرن.
ولهذا لا أوافق على العبارة السهلة التي تتكرر أحيانًا: «التلفزيون الأردني لم يعد له مشاهدون».
له جمهوره، وله رواده، وله اسمه وثقته ومكانه في الذاكرة الأردنية. والمطلوب ليس إعلان وفاته أو التعامل معه باعتباره إرثًا من الماضي، وإنما إعادة إحياء هذا الرصيد والبناء عليه بما يناسب إعلام اليوم.
ووجود قناة المملكة أو المحطات الأردنية الخاصة يجب ألا يكون سببًا لتراجع الاهتمام بالتلفزيون الأردني؛ فالتعدد الإعلامي قوة للدولة وليس صراعًا بين مؤسساتها. والمفارقة أن نسبة مهمة من الكفاءات التي عملت وتعمل في مؤسسات إعلامية أردنية وعربية أخرى خرجت أصلًا من رحم هذه المدرسة.
واليوم أشعر بالتفاؤل لأن إدارة المؤسسة عادت إلى واحد من أبنائها، عطوفة مهند الصفدي، الذي عرف المؤسسة موظفًا ومخرجًا ومسؤولًا قبل أن يصبح مديرًا عامًا لها. وهذه ميزة كبيرة؛ فمن عاش المهنة من داخلها يعرف أين تؤلم الموظف القرارات، وأين تختبئ الطاقات، وأين توجد المعيقات، وأين يبدأ الإصلاح الحقيقي. وتجربته المهنية السابقة أظهرت ميلًا إلى التجديد والتطوير، وهو ما يجعل الرهان عليه اليوم رهانًا على ابنٍ يعرف بيته من الداخل.
إن التلفزيون الأردني لا يحتاج إلى من يكتب له رثاءً جميلًا، بل إلى من يؤمن بأن هذه المدرسة ما زالت قادرة على الحياة والتجدد.
وأقولها من موقع ابنٍ لهذه المؤسسة: أعيدوا للتلفزيون الأردني ما يستحقه من اهتمام وثقة وإمكانات، لا من أجل جيلنا الذي مضى، بل من أجل الأجيال التي يجب أن تجد مدرسة تتعلم فيها كما تعلمنا نحن.
فالتلفزيون الأردني لم يكن مجرد قناة رسمية، بل كان رأس مال مهنيًا أردنيًا صدّر خبرته إلى المنطقة، وأسهم أبناؤه في بناء تجارب إعلامية عربية ما زالت حاضرة حتى اليوم.
والمؤسسات العظيمة قد يخف وهجها أحيانًا، لكنها لا تموت ما دام في داخلها من يعرف تاريخها، ويحفظ فضل رجالها، ويؤمن بأن مستقبلها يمكن أن يكون بقدر ماضيها… وربما أجمل.

