صراحة نيوز- بقلم: زياد فرحان المجالي
في الحروب الطويلة، لا يُقاس استنزاف الجيوش فقط بعدد القتلى والجرحى أو بما تخسره من دبابات وطائرات وذخائر. هناك استنزاف أكثر هدوءًا، لكنه قد يكون أشد خطورة على المدى البعيد: أن تبدأ المؤسسة العسكرية بخسارة جنودها من الداخل، قبل أن يصل بعضهم أصلًا إلى ميادين القتال.
وهذا تحديدًا ما تكشفه الأرقام الجديدة الصادرة عن شعبة القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي.
فخلال عام 2025 خرج نحو ثمانية آلاف جندي من الخدمة العسكرية، والغالبية الساحقة منهم خلال الأشهر الستة الأولى من خدمتهم. والرقم، بحد ذاته، كبير؛ لكن دلالته تصبح أكثر أهمية حين يوضع إلى جانب حقيقة أخرى: الجيش الإسرائيلي يقول منذ أشهر إنه يحتاج إلى آلاف الجنود الإضافيين، وإن منظومة الخدمة النظامية والاحتياط تتعرض لضغط متزايد بفعل اتساع الجبهات وطول أمد المواجهة.
هنا تظهر المفارقة.
إسرائيل تبحث عن جنود جدد، وفي الوقت نفسه تفقد آلافًا ممن نجحت أصلًا في تجنيدهم.
والأخطر أن هذه الخسارة البشرية تأتي في اللحظة التي تحتاج فيها إسرائيل إلى جيش أكثر عددًا، لا أقل؛ فكل جبهة جديدة تفتحها، وكل حرب تطيل أمدها، لا تزيد حاجتها إلى السلاح فقط، بل إلى بشر قادرين على البقاء تحت السلاح لفترات أطول.
الجيش يحاول الآن معالجة المشكلة من بوابتها المبكرة، فأطلق برامج تحضيرية قصيرة قبل التجنيد، بعضها لا يتجاوز ثلاثة أسابيع، بهدف تعريف الشباب بالمؤسسة العسكرية ورفع دافعيتهم وتأهيلهم نفسيًا وبدنيًا للخدمة.
ارتفع عدد المشاركين في هذه البرامج من نحو 450 شابًا عام 2025 إلى أكثر من 1,200 خلال 2026، وهناك خطط لاستيعاب أعداد أكبر خلال الأشهر المقبلة.
لكن المسألة، في تقديري، أعمق من أن تحلها دورة تدريبية قصيرة.
فحين يصف مسؤولون عسكريون ظاهرة التسرب بأنها أقرب إلى «وباء»، فإننا لا نكون أمام مشكلة إدارية بسيطة، بل أمام خلل يمس العلاقة بين المجتمع والجيش.
وهذه نقطة شديدة الحساسية في الحالة الإسرائيلية.
فالجيش لم يكن يومًا مجرد مؤسسة دفاعية في إسرائيل. لقد كان أحد أعمدة بناء الدولة والهوية والانتماء الاجتماعي، وكانت الخدمة العسكرية بوابة للاندماج السياسي والاقتصادي والمهني، إلى درجة أن صورة «جيش الشعب» أصبحت جزءًا من الرواية التي قدمت بها إسرائيل نفسها داخليًا وخارجيًا.
لكن الحرب الطويلة بدأت تختبر هذه المعادلة.
سنوات من الاستدعاءات المتكررة للاحتياط، والقتال على أكثر من جبهة، والخسائر البشرية، والضغوط النفسية، والاضطراب السياسي الداخلي، والخلاف حول من يخدم ومن يُعفى من الخدمة، كلها عوامل تجعل أزمة القوة البشرية أكبر من مجرد حساب لعدد الجنود داخل الثكنات.
إنها أزمة توزيع عبء الحرب.
وهنا يصبح الجندي الإسرائيلي العادي أمام سؤال مختلف عن السؤال الذي واجهته الأجيال السابقة: إلى متى تستمر الحرب؟ وكم مرة يمكن استدعاؤه؟ ولماذا يتحمل قطاع من المجتمع العبء بينما تبقى قطاعات أخرى خارجه؟
هذه الأسئلة قد تكون أخطر على الجيش من نقص دبابة أو صاروخ.
فالآلة العسكرية تستطيع شراء مزيد من الذخائر، وتطوير الطائرات المسيّرة، واستخدام الروبوتات والذكاء الاصطناعي لتقليل الحاجة إلى العنصر البشري، لكنها لا تستطيع بسهولة تصنيع الإرادة البشرية للخدمة.
ومن هنا يمكن قراءة اهتمام الجيش ببرامج ما قبل التجنيد.
هو يحاول التدخل قبل أن يدخل الشاب الثكنة، لأنه اكتشف أن المشكلة ليست فقط في قدرة المؤسسة على استدعاء الإنسان، بل في قدرتها على إقناعه بالبقاء.
ومن المفارقات أن إسرائيل، التي بنت عقيدتها العسكرية تاريخيًا على نقل الحرب إلى أرض الخصم وإنهائها بسرعة، تجد نفسها اليوم أمام نمط مختلف تمامًا: حروب ممتدة ومتعددة الجبهات تحتاج إلى قوة بشرية مستدامة، لا إلى تفوق ناري مؤقت فقط.
وهنا يتغير مفهوم القوة.
فالدولة التي تستطيع ضرب أهداف تبعد عنها ألفي كيلومتر قد تواجه في الوقت نفسه صعوبة في توفير العدد الكافي من الجنود لإدارة حرب طويلة على عدة جبهات.
والأخطر أن مشكلة القوة البشرية لا تظهر في لحظة واحدة كما يظهر سقوط قاعدة عسكرية أو تدمير دبابة. إنها تتراكم ببطء: جندي يغادر الخدمة، وآخر يتردد في العودة إلى الاحتياط، وأسرة تضغط على ابنها لتجنب وحدة قتالية، وشريحة اجتماعية تطالب بإعادة توزيع أعباء التجنيد.
ثم يأتي يوم تكتشف فيه المؤسسة العسكرية أن مخزونها الأكثر أهمية لم يكن الصواريخ في المستودعات، بل البشر المستعدين لحمل السلاح.
الثمانية آلاف الذين خرجوا من الخدمة خلال عام واحد ليسوا إذن مجرد رقم في تقرير لشعبة القوى البشرية.
إنهم جرس إنذار استراتيجي.
لأن الدولة التي توسّع جبهاتها أسرع مما توسّع قاعدتها البشرية قد تجد نفسها، مع مرور الوقت، أمام معادلة قاسية: تستطيع أن تبدأ الحرب، لكنها لا تستطيع أن تضمن استمرار القوة البشرية اللازمة لإدارتها.
ولهذا فإن السؤال الذي سيواجه إسرائيل في حروب السنوات المقبلة لن يكون فقط: كم طائرة تمتلك؟ وكم صاروخًا تستطيع اعتراضه؟
بل سؤال أكثر بساطة وخطورة:
كم جنديًا تستطيع أن تُجنّد… وكم واحدًا منهم تستطيع أن تُبقيه في الجيش عندما تطول الحرب وتتسع الجبهات؟

