صراحة نيوز – د. منى النحلاوي
“تغيّرت عين جافير من عينٍ تراقب الإنسان إلى خوارزمية تراقب بياناته… فهل تغيّرت العدالة؟”
تنص المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن:
“الناس جميعًا سواء أمام القانون، ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة منه دون أي تمييز.”
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تغيّرت العدالة الانتقائية منذ عصر “البؤساء” إلى عصر يمكن أن نسميه عصر البؤساء الرقميين؟
في رواية “البؤساء” لفيكتور هوغو، كان جان فالجان فقيرا، سرق رغيف خبز لإطعام أطفال شقيقته، فدخل السجن، ثم تضاعفت قسوة العقوبة بعد محاولات هروبه. ولم تكن المأساة في القانون وحده، بل في نظرة مجتمع كان يرى الفقر على الجسد، ويقرأ البؤس من الثياب والهيئة.
كان المفتش جافير يرى فالجان من خلال ملفه وماضيه ومظهره، فتحول الإنسان أمامه إلى مشتبه به دائم.
قديمًا، كان الفقر يرتدي ثيابا بالية، وكان ذلك كافيا لإطلاق أحكام اجتماعية وصور نمطية مسبقة. أما اليوم، فقد يرتدي الفقر زياً فسفورياً وخوذة وحقيبة توصيل ضخمة.
لننظر إلى عمال التوصيل والدراجين والعاملين في اقتصاد المنصات الرقمية. يظهرون في الشوارع بزي موحد، وخوذ تحجب ملامحهم، وحقائب حرارية ضخمة، وهاتف ذكي لا يكاد يفارق أيديهم.
قد تبدو التكنولوجيا وكأنها منحت هذه المهن صورة عصرية، لكن خلف هذه الصورة قد يختبئ شكل جديد من الهشاشة.
فالعامل قد لا يُرى بوصفه إنسانًا له ظروفه وحقوقه، بل يتحول داخل النظام الرقمي إلى رقم، وتقييم، ونقاط، وموقع على الخريطة.
قد يتأخر بسبب ازدحام مروري، أو عطل في دراجته، أو ظرف خارج عن إرادته، فتنعكس النتيجة على تقييمه أو دخله. وهنا يظهر نوع جديد من العقاب: لا سجناً خلف القضبان، بل خفضاً في التقييم، أو تقليصاً للفرص، أو تهديداً بمصدر الرزق.
والأخطر أن الجَلد هذه المرة قد يحدث دون أن يرى الجلاد وجه الضحية.
هنا تعود إلينا صورة جافير، ولكن في نسختها الجديدة.
كانت عين جافير القديمة عيناً بشرية تراقب وتشتبه؛ أما عين جافير الرقمية فقد تكون خوارزمية لا ترى الإنسان، بل ترى بياناته وسلوكه وموقعه وتقييمه.
ولا يعني ذلك أن التكنولوجيا هي المشكلة في ذاتها، بل تبدأ المشكلة عندما تتحول الأدوات الرقمية إلى وسائل لاتخاذ قرارات تمس حياة الإنسان وكرامته، دون شفافية كافية أو فرصة حقيقية للاعتراض.
فالمادة السابعة لا تقول إن الناس متساوون أمام القانون على الورق فقط، بل تضع أمامنا سؤالًا أكثر عمقاً:
هل يحصل الإنسان فعلا على الحماية نفسها عندما يكون فقيراً؟ أو عندما يختلف مظهره؟ أو عندما تكون قوته الاقتصادية محدودة؟
في عصرنا، قد يتحول المظهر الوظيفي، والطبقة الاجتماعية، والبيانات الرقمية إلى عوامل تؤثر في الطريقة التي يُرى بها الإنسان ويُقيّم بها.
لقد تغيرت الملابس، وتغيرت الأدوات، لكن السؤال لم يتغير:
هل يرى النظام الإنسان أولًا، أم يرى التصنيف الذي وضعه فيه؟
من بؤساء هوجو إلى بؤساء الشاشة، تبدلت الوجوه وتطورت التكنولوجيا، لكن معركة الإنسان من أجل المساواة والكرامة لم تنتهِ.
وربما تكون ثورة المادة السابعة الحقيقية أن ننتقل من عدالة تساوي بين الناس في النص، إلى عدالة تراهم متساوين في الواقع.
د. منى النحلاوي
مشروع العدالة الإنسانية والوعي الناقد

