صراحة نيوز – تحقيق صحفي – احمد ايهاب سلامة
لم تعد قضية تهريب المخدرات إلى الأردن عبر الحدود الإسرائيلية مجرد محاولات متفرقة تضبطها القوات المسلحة، انما باتت تطرح أسئلة تتجاوز كميات المخدرات المضبوطة إلى طبيعة الشبكات التي تقف وراءها والجهات التي تستفيد من نشاطها ومدى ارتباط تجارة المخدرات بتهريب الأسلحة والجريمة المنظمة في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من استخدام الطائرات المسيرة والبالونات الموجهة لنقل المواد المخدرة عبر الحدود.
وفي تطور لافت، تناولت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية، في تقرير نشرته في 13 تشرين الأول 2026، عمليات تهريب تنفذها عصابات “إسرائيلية” إلى الأردن باستخدام الطائرات المسيرة والبالونات، مستفيدة من ارتفاع أسعار المخدرات في السوق الأردنية ونقلت تقارير إسرائيلية، بينها صحيفة يديعوت أحرونوت، مضمون التقرير، في وقت تحدث فيه مصدر عسكري أردني عن إحباط محاولات تهريب من الجانب الإسرائيلي، منتقدا ما وصفه بانتقائية الإعلانات الإسرائيلية التي تسلط الضوء على تهريب الأسلحة من الأردن، مقابل تجاهل عمليات تهريب المخدرات إلى المملكة.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة لأنها لا تستند إلى تصريحات سياسية أردنية وحدها، انما تتقاطع مع تقارير إعلامية منشورة في الداخل المحتل وخارجه تناولت استخدام وسائل جوية غير تقليدية في عمليات التهريب، بما يفتح الباب أمام تحقيق أوسع في طبيعة هذه الشبكات ومدى قدرتها على مواصلة نشاطها رغم الإجراءات الأمنية على الحدود.
النقب وشبكات التهريب.. ماذا تقول الوقائع؟
خلال حديثه في تصريحات تلفزيونة، طرح العين الدكتور عمار القضاة قراءة أمنية وسياسية لعمليات التهريب، متحدثا عن نشاط عصابات إجرامية في منطقة النقب واستخدام الطائرات المسيرة في نقل المخدرات والأسلحة، كما أشار إلى التساهل الاسرائيلي مع هذه العصابات بل ودعمهم وذهب إلى أن انتشار المخدرات والعنف داخل المجتمعات العربية قد يخدم أهدافا “إسرائيلية” تتجاوز الأرباح الإجرامية.
وتستدعي هذه التصريحات التوقف عند الوقائع المنشورة التي يمكن فحصها بصورة مستقلة ففي 13 تشرين الأول، نشرت صحيفة إسرائيل هيوم تقريرا تناول ما أوردته ديلي تلغراف بشأن تهريب المخدرات إلى الأردن ونقل عن مصدر عسكري أردني قوله إن الإعلانات “الإسرائيلية” بشأن عمليات تهريب الأسلحة لا تعرض سوى جانب من الصورة وإن حرس الحدود الأردني أحبط خلال الأشهر الأخيرة محاولات عدة لتهريب المخدرات من “إسرائيل” إلى المملكة.
كما نشر موقع يديعوت أحرونوت تقريرة عن سقوط طائرة مسيرة في محمية حاي بار بمنطقة يوتفاته قال إن الاشتباه يدور حول دخولها من الأردن محملة بالمخدرات، بالتزامن مع نشر تقرير ديلي تلغراف عن عمليات تهريب المخدرات إلى الأردن.
وتظهر هذه الوقائع أن ملف التهريب يتضمن عمليات في الاتجاهين وأن المسيرات باتت جزءا من المشهد الأمني على الحدود.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت هذه العمليات مجرد نشاط لشبكات إجرامية تسعى إلى تحقيق الأرباح، أم أن هناك جهات تتغاضى عنها أو توفر لها الحماية، والإجابة عن هذا السؤال لا تتحقق بمجرد إثبات وقوع التهريب، لكن وبما عاهدناه دوما من الالاعيب الإسرائيلية ومن ما يكتبه التاريخ، بان هذه العمليات لا شيء مقارنة مع ما هو مخفي، ما يؤكد ايضا ان الاحتلال الإسرائيلي يقف خلف هذه الشبكات ويساهم ويساند تلك العصابات ويوفر لهم غطاء من اجل توزيع المخدرات سواء في الاردن أو في بلاد العرب على حد سواء.
المخدرات والأسلحة.. خيط واحد أم شبكات متقاطعة؟
في 30 نيسان 2026، نشرت صحيفة جيروزاليم بوست تقريرا عن لوائح اتهام بحق ثلاثة أشخاص من جنوب “إسرائيل”، قالت النيابة إنهم استخدموا طائرات مسيرة لتهريب الحشيش إلى الأردن وإعادة مسدسات إلى “إسرائيل” وتحدثت القضية عن شحنات من الحشيش قدرت بنحو 120 كيلوغراما إلى جانب عشرات المسدسات، وفق التفاصيل المنشورة.
وتطرح القضية سؤالا بالغ الأهمية: هل تستخدم بعض الشبكات المسارات والوسائل ذاتها لتهريب المخدرات والأسلحة، بما يتيح لها بناء نشاط إجرامي متشعب يتجاوز نوعا واحدا من السلع غير المشروعة؟
إن ثبوت هذه الوقائع في ملفات قضائية محددة يوفر أساسا لمقارنة أساليب التهريب، لكنه لا يثبت تلقائيا أن جميع الحوادث تقف خلفها شبكة واحدة، أو أن جهة رسمية تديره.. قد يكون هناك منظمات وعصابات اخرى تتعاون مع الإحتلال الاسرائيلي أو تكون تابعه لها او على اتصال وربما تكون هناك ايضا شبكات اخرى هي من تمول هذه العصابات داخل الدول العربية، سواء في سوريا أو لبنان أو العراق ومصر ومن هذه الدول تدخل المواد المخدرة دولا اخرى
هل تستخدم المخدرات لضرب المجتمعات العربية؟
ذهب العين الدكتور عمار القضاة في حديثه إلى أبعد من ملف التهريب، معتبرا أن انتشار المخدرات والعنف داخل المجتمعات العربية في الداخل الفلسطيني قد يحمل أبعادا سياسية وأن تدمير البنية الشبابية عبر الإدمان والجريمة ينعكس على المجتمع والصحة العامة والاستقرار.
من منظور سياسي، لم تكن المخدرات في بعض الصراعات وخصوصا الصراعات العربية والفلسطينية مجرد آفة اجتماعية، انما طرحت بوصفها أداة محتملة لاستنزاف المجتمعات وإضعافها من الداخل
وفي هذا السياق، تبرز اتهامات تاريخية لـ”اسرائيل” بالتورط في عمليات تهريب استهدفت مصر، وسط فرضيات بأن إغراق الشباب بالمخدرات قد يسهم في تغييب وعيهم وإبعادهم عن قضاياهم الوطنية والعربية واستنزاف طاقاتهم في دوامة الإدمان، بما ينعكس على تماسك المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات
هذه عدة مصادر تؤكد ما جاء بالتقرير:
المصدر: مجلة Itinerario الصادرة عن مطبعة جامعة كامبريدج – 28 كانون الثاني 2026
الباحث حغاي رام، المتخصص في دراسات الشرق الأوسط بجامعة بن غوريون في النقب، نشر دراسة بعنوان The War on Drugs in Israel، تناول فيها ما وصفه بتورّط المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في عمليات واسعة وسرية لتهريب الحشيش إلى مصر.
وتشير الدراسة إلى أن العملية بدأت عام 1959 واستمرت حتى منتصف الثمانينيات، تحت أسماء رمزية متعددة، من بينها Toto وأن الفكرة كانت إغراق مصر بالمخدرات وإضعاف الجيش والمجتمع.
كما تذكر أن العملية نفذت عبر عناصر مرتبطة بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وأنها استمرت سنوات طويلة.
فترة الانتداب البريطاني على فلسطين: كانت فلسطين ممرا لتهريب الحشيش بين بلاد الشام ومصر، مع بيع جزء من الشحنات في الأسواق المحلية.
2. عام 1955 – عبد العزيز صفوت: رفع عبد العزيز صفوت رئيس المكتب الدائم لشؤون المخدرات في جامعة الدول العربية، تقريرا إلى لجنة الأمم المتحدة للمخدرات اتهم فيه إسرائيل بالتورط في تهريب الحشيش إلى مصر، وتواصلت الاتهامات العربية خلال السنوات اللاحقة وسط ردود إسرائيلية مضادة.
3. عام 1996 – صحيفة The Sunday Times البريطانية: نشرت تحقيقا استند إلى شهادات منسوبة لضباط إسرائيليين بشأن عملية قيل إنها هدفت إلى تهريب الحشيش إلى مصر لإضعاف الجنود المصريين.
4. عام 2026 – دراسة جامعة كامبريدج: أعادت دراسة أكاديمية للباحث حغاي رام فحص القضية بالاستناد إلى وثائق أرشيفية وتقارير صحفية سابقة، وبحثت استخدام المخدرات في الصراع السياسي والعسكري.
فيما تبقى هاتين الدراستين تحديدا يستحقان البحث والتمعن بهما جيدا.. والتي تقول في دراسة The War on Drugs in Israel المنشورة عام 2026، يخلص الباحث حغاي رام، استنادا إلى وثائق أرشيفية وتقارير صحفية، إلى أن الجيش الإسرائيلي شارك في عمليات سرية واسعة لتهريب الحشيش إلى مصر، خلال الفترة الممتدة من أواخر الخمسينيات إلى أوائل الثمانينيات بهدف إضعاف المجتمع المصري والقوات المسلحة المصرية.
وهذه زاوية تستحق البحث، خصوصا في ظل ما تشهده بعض المجتمعات من تحديات مرتبطة بالجريمة المنظمة وتجارة المخدرات
ايضا ما جاء في كتاب المؤرخ حغاي رام في كتابه Intoxicating Zion أن تجارة الحشيش في فلسطين الانتدابية لم تكن ظاهرة هامشية، بل ارتبطت بشبكات تهريب إقليمية امتدت من لبنان وسوريا إلى مصر عبر الأراضي الفلسطينية بالتزامن مع عجز السلطات البريطانية والفرنسية عن ضبط هذه التجارة ويشير الكتاب إلى أن قيام إسرائيل عام 1948 لم يؤدِّ إلى إنهاء هذه الشبكات، فيما تحولت تجارة المخدرات خلال ستينيات القرن الماضي إلى إحدى نقاط التوتر في الصراع العربي الإسرائيلي، مع اتساع نطاق التعاطي وتداخل المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية في مسارات التهريب.
الفقرة الثانية: ويكشف بحث رام المنشور في British Journal of Middle Eastern Studies أن الحشيش لم يكن مجرد مادة مخدرة في الخطاب السياسي والاجتماعي في فلسطين وإسرائيل، بل ارتبط أيضا بصناعة صور نمطية عن العرب والشرق، ثم استُخدم في النقاشات الداخلية الإسرائيلية لتمييز فئات اجتماعية وإثنية وتهميشها، ولا سيما بعض اليهود الشرقيين خلال العقود الأولى من قيام الدولة. وتكتسب هذه المعطيات أهميتها من إظهار تداخل المخدرات مع قضايا الهوية والسلطة والصراع الاجتماعي.
ومن هنا تبرز أهمية مطالبة العين القضاة بتحديد التقرير الذي استند إليه والمعلومات التي تدعم استنتاجاته بشأن دور سلطات الاحتلال الإسرائيلية ومقارنتها بما نشرته وسائل الإعلام الإسرائيلية عن عصابات التهريب وما تكشفه ملفات الشرطة والمحاكم من وقائع.
الأردن في مواجهة التهريب.. أرقام وأسئلة مفتوحة
بحسب التقرير الذي نشرته ديلي تلغراف ونقلته الجزيرة نت في 14 تشرين الأول 2026، أظهرت أرقام رسمية اطلعت عليها الصحيفة أن قواتنا الأردنية ضبطت منذ بداية العام أكثر من 15 ألف حبة كبتاغون ونحو 20 ألف كيلوغرام من الميثامفيتامين الكريستالي و6 آلاف قالب من الحشيش، إضافة إلى كميات أخرى من المواد المخدرة.
وتعكس هذه الأرقام حجم الجهد الأمني المبذول لكنها تفتح في الوقت ذاته أسئلة حول طبيعة الشبكات التي تقف خلف هذه التجارة ومدى تنوع مساراتها والنتائج القضائية التي أفضت إليها عمليات الضبط، كما أن مقارنة الأرقام بحسب نوع المخدر والواجهة الحدودية ووسيلة التهريب يمكن أن تساعد في تحديد الاتجاهات التي تستحق مزيدا من التحقيق.
ويظل السؤال الأهم: هل تنتهي عمليات التهريب عند إسقاط المسيرات وضبط الشحنات، أم أن التحقيقات تتمكن من الوصول إلى الممولين والمنظمين والمستفيدين من العائدات؟ فمكافحة التهريب لا تقتصر على منع وصول المخدرات، بل تشمل كشف البنية المالية والتنظيمية للشبكات وتحديد الروابط بين التجارة غير المشروعة والأنشطة الإجرامية الأخرى.
من يملك الإجابة؟
إن التقارير المنشورة عن تهريب المخدرات من الجانب الإسرائيلي إلى الأردن والتصريحات العسكرية الأردنية بشأن إحباط هذه المحاولات والقضايا القضائية التي تناولت تهريب المخدرات والأسلحة، تشكل مجتمعة أساسا جديا لفتح ملف استقصائي من الصحف والمؤسسات يتجاوز الأخبار اليومية عن الضبطيات.
لكن الوصول إلى نتيجة بشأن وجود تسهيل رسمي متعمد أو توجيه سياسي لتلك العمليات يتطلب ما هو أكثر من تكرار الاتهامات، إذ يحتاج إلى أدلة مستقلة ومقارنة دقيقة بين الوقائع ومراجعة الملفات القضائية والحصول على ردود الجهات المعنية.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يكون محور التحقيق: من يدير شبكات التهريب عبر الحدود ومن يستفيد من استمرارها وهل تكشف الأدلة المتاحة عن نشاط إجرامي تحركه الأرباح وحدها، أم عن علاقات أوسع تتجاوز المهربين أنفسهم؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي ما يمكن أن ينقل الملف من مجرد متابعة أمنية إلى تحقيق استقصائي يكشف معلومات جديدة ويضعها أمام الرأي العام.

