رابطة للمتشائمين العرب!

7 د للقراءة
7 د للقراءة
رابطة للمتشائمين العرب!
صراحة نيوز – سهيل كيوان – كنت أظنّ أن فكرة تأسيس جمعية أو رابطة للمتشائمين لم تخطر ببال أحد، وأنني على وشك تقديم خدمة جليلة لشعبي ولأمتي، ولكنني اكتشفت أن الفنلنديين سبقونا إليها، في بلدة اسمها (بوولانكا) هنالك نشطاء متشائمون، أقاموا جمعية مسجّلة رسمياً، لها إدارة ونشاطات ثقافية وعروض موسيقية وصحيفة باسم «المتشائم»، ولهم بيت للتشاؤم ومقهى.

لنا تاريخ عريق في التشاؤم، من أبي العلاء المعرّي إلى أبي العتاهية إلى ابن الرومي، لدينا من شعر الزهد ورثاء الأحبة وبكاء الديار ما يكفي لافتتاح فروع في القارات السّبع، ولكننا لا نحسن إدارة الموارد كالعادة.
كل أصناف البشر تقريباً لهم جمعيات وروابط، إلا المتشائمين فهم يُتهمون بنشر الطاقة السلبية. أما المتفائل فكلنا نعرف أنه يكذب، ورغم ذلك يُستقبل بالحفاوة حتى لو كان قد بشّر بالفرَج خمسين مرة، ولم يصل من الفرَج سوى كارثة جديدة.
نشرة أخبار محلّية واحدة عندنا تكفي لتشاؤم عام كامل، حتى حفل الزفاف تدخله وأنت تلتفت حولك متوقعاً ما لم يعد مفاجأة بأن ينقلب الفرح إلى نكد.
أشعر بشفقة على المتفائلين، أتأمل الواحد منهم وهو يقول بثقة «بكرا أحسن» فأرغب في الانفجار بوجهه: يا أخي، ألم تشبعوا كذباً؟ من أين لك هذه الوقاحة حتى تفترض أن بكرا أحسن؟ أنتم المتفائلون سبب البلاء… منذ أكثر من نصف قرن سمعت من أهلي أن «بكرا أفضل»، وهم نقلوا هذه الكذبة عن ذويهم. كانت كذبة بيضاء ولكنها صارت مثل سخام التصق بتراثنا ويصعب التخلص منه. نحن المتشائمين، يجب أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، ونؤكد بلا مواربة بأن الغد أسوأ من اليوم، كي لا يستمر خداع الناس.
أما «المتشائلون» جماعة كنديد وسعيد أبو النحس، فأمرهم أشد تعقيداً. يضع الواحد منهم قدماً في الخراب وأخرى في الأمل، ويظل واقفاً عند الباب، فلا يدخل ليستريح ولا يخرج لينجو. يترك كوّة صغيرة للأمل ثم يقضي عمره يراقبها خشية أن تُغلق. المتشائم الخالص شجاع يغلق النافذة وينتهي الأمر، لا تنتابه خيبات لأنه لا يأمل خيراً من الأساس.
يقول جماعات التنمية البشرية إنه ينبغي الحفاظ على مسافة آمنة من أمثالي.
لا أعترض، فأنا لا أحب صحبة أولئك الذين يعيدون تعاويذ التفاؤل بغباء، وأفضّل من ينظر في عيني مباشرة ويقول لي: «الوضع أسوأ مما تتصور يا أستاذ… الطامة الكبرى في الطريق»، وينبهني إذا شعر مني بكبوة تفاؤل في كلام أو موقف.
فقدت ثقتي في أقرب الناس، تبين أنهم يتفاءلون بغيابي، سألت أقربهم لي أكثر من مرّة «على شو متفائل حضرتك، لماذا تروّج بأن الدنيا بعدها بخير». ارتبك وراح يلف ويدور… يومها قلت له «لن أحسابك على زلة ولا زلتين، وإذا قررت العيش في الوهم فهذا شأنك، ولكن لا تخدعني وتتظاهر أمامي بأنك متشائم مثلي… أو اذكر لي واقعة محددة مع تاريخ ومصدر تبرر فيه تفاؤلك».
الحقيقة أنني لمست تجاوباً كبيراً مع مبادرتي، وتبين لي أن المتشائمين أكثر مما ظننت، ولكنهم ما زالوا يخجلون من الظهور، ولكن صار بعضهم يجهر بقوة ويقول: ارفع رأسك فأنت متشائم.
بين حين وآخر، يحاول أحد أولئك الذين لا يروق لهم أي جديد إحراجي بنشر موقف أو مقطع قديم أبدو فيه متفائلاً. أعترف بذلك، وأعتذر إلى كل إنسان ضللته وجعلته ينتظر خيرًا لم يصل. كنت في مرحلة المراهقة الفكرية أصدّق الأغاني التي تعدنا بطلوع الشمس.
الشمس تطلع فعلًا، ولكن التضليل هو في استعمال شروق الشمس بمعنى التفاؤل، علماً أنها تشرق كي نرى واقع الخراب الذي لم نره في الظلام، لكن الناس يقلبون الحقائق بما يغذي أوهامهم.
قمة الغباء كانت عندما كنا نؤمن بأن النضالات تُتوّج بالانتصار، وأن المناضلين سوف يكرّمون! والجلاد سيقف أمام العدالة، وأن العميل سوف يحاسب، رغم أن التجارب الكثيرة أثبتت أننا نستبدل جلاداً بآخر، وأن عميل الأمس هو قائد اليوم، وأن المناضل الحقيقي لا يطلب غير الستر والنجاة من خاتمة سوء.
التشاؤم لا يعني حرمان أنفسنا مما تيسر من ملذات الحياة، يمكنني أن أشرب القهوة بمتعة، هذا أفعله مرات في اليوم من غير شعور بالذنب، الطعام بات أحد مصادر تشاؤمي، فهنالك مئات آلاف من «مختصي» التغذية، وأعجب من بعضهم الذي يبدو مسنّاً قبل أوانه يقدم النصائح الصحية في التغذية والرياضة والحفاظ على الشباب لغيره، والأغرب أن له متابعين بعشرات الآلاف.
كذلك، فإن الضحكة ليست خيانة لمبادئ التشاؤم.
المتشائم يستطيع أن يضحك ولا حاجة للاعتذار بقول «الله يسترنا من شر هالضحك»، الضحك لا يعني أنك متفائل، بل هو تأكيد على صحة نظام التشاؤم «شر البلية ما يضحك».
لدينا أيضاً التعبير الشعبي المحيّر: حمار مين اللي مات؟ يُقال حين يفعل شخص شيئاً طيّباً على غير عادته، وكأنهم يقصدون بأن الخير لا يمكن أن يقع من غير خسارة في مكان آخر. أو مجازاً كأمر نادر الحدوث؟ يحتاج هذا التعبير إلى لجنة بحث للتوضيح، هل موت حمار في مكان يعني خيراً بالفعل في موقع آخر؟ أم أنه أمر نادر الحدوث؟
أما الأغاني فلدينا مخزون لا ينفد.
«أنا عمر بلا شباب وحياة بلا ربيع».
«حتى بأحضان الحبايب شوك شوك يا قلبي» «وضاع شادي»، «وأقول يا عين ليه تبكي ما دام الليل ملوش آخر»، «يا حبيبي كل شيء بقضاء ما بأيدينا ولدنا تعساء». لن نختلف على الأغنية الأفضل، كل عضو حرّ في اختيار اللحن الذي يناسب خيبته.
سوف أدعو ومعي بعض أنصار الفكرة إلى مؤتمر تأسيسي للرابطة قبل نهاية العام، أو بعد نهاية الحرب القادمة، ونأمل أن ينجح رغم الغياب الكبير المتوقع. لن نطالب الغائبين بتبرير غيابهم، نحن نتفهّم مسبقاً أن هنالك ألف سبب وسبب سيعيق حضور أكثرهم.
سننتخب مجلس إدارة، على الرغم من شكّنا في جدوى هذه المجالس. لن نعد بتحسين أوضاع الأعضاء، الهدف هو فقط في كشف مزايا التشاؤم وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أخوتنا المتفائلين.
ممنوع الابتسام في الصور الجماعية لأنها قد تُستغل ضدنا على أنها تفاؤل. إذا نجحت في مهمتي، فمن حق الأعضاء البحث بهدوء عن سبب نجاحي.
المشكلة الوحيدة التي تواجهنا الآن هو أن تأسيس رابطة يتطلب قدراً من التفاؤل، علينا أن نصدّق بأن الناس سيحضرون، ويدفعون الاشتراكات السنوية أو الشهرية، وكمؤسسين لن نختلف على الرئاسة قبل استئجار ناد وشراء أثاث، طبعاً السلطات سوف تتدخل لإخراجنا عن القانون بحجة التنكيد على السعادة العامة.
سأدعو الآلاف وأطلب منهم إحضار اقتراحات وإبداعات تشاؤمية، وإذا لم يحضر أحد سوى صحافي كي يشمت بفشلي، فلن أشعر بخيبة أمل لأنني لا أتوقع النجاح أصلاً.

شارك هذا المقال