صراحة نيوز – ماجد أبو رمان
حين يصبح المال بوابةً إلى رئاسة البرلمان، وتصبح الحكومة طرفًا خفيًا في هندسة خياراته، فالمشكلة لا تعود في اسم الرئيس، بل في استقلال القبة ذاتها!
هذا سؤال يتجاوز سباق الرئاسة الراهن، ليعود بنا إلى تاريخ من التنافس النيابي الذي يستحق قراءة أكثر جرأة: لماذا يتكرر حضور رجال الأعمال وأصحاب المصالح الاقتصادية في مشهد رئاسة مجلس النواب؟ وهل بات النفوذ المالي والاجتماعي أقدر على صناعة الرؤساء من المشروع السياسي والكفاءة التشريعية؟
وإذا استثنينا مازن القاضي وعبد المنعم العودات وأحمد الصفدي من زاوية المقارنة المطروحة، فإن بقية الأسماء تفتح بابًا للنقاش حول العلاقة بين التجارة والمقاولات من جهة، وقيادة المؤسسة التشريعية من جهة أخرى. وليس في التجارة عيب، ولا في المقاولات انتقاص، لكن الخطر يبدأ حين تتقاطع المصالح الخاصة مع القرار العام، وحين يصبح الفصل بينهما امتحانًا لاستقلال المؤسسة.
والأكثر حساسية أن معادلة اختيار الرئيس لا تُصنع دائمًا داخل أروقة المجلس وحدها؛ فالحكومات قد تجد، أحيانًا، مصلحة في رئيس بعينه، وقد تسعى إلى التأثير في موازين المنافسة بوسائل غير معلنة، عبر الاتصالات والتفاهمات وبناء التحالفات. وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل نختار رئيسًا يقود مجلس النواب، أم رئيسًا ترى الحكومة في وصوله ضمانةً لتمرير أولوياتها وتخفيف الرقابة عليها؟
لا يجوز الجزم بوجود تدخل حكومي في كل سباق، ولا اتهام أشخاص أو جهات من دون دليل، لكن من حق الرأي العام أن يسأل عن حدود هذا التأثير، وعن المسافة الفاصلة بين التفاهم السياسي المشروع ومحاولة توجيه الإرادة النيابية من وراء الستار.
فرئيس المجلس ليس مجرد مدير للجلسات؛ إنه مؤثر في أولويات التشريع، وإدارة النقاش، وبناء التفاهمات بين النواب. وإذا اجتمع النفوذ الاقتصادي مع الدعم الحكومي غير المعلن، فإن استقلال القرار يصبح موضع اختبار حقيقي، وتغدو الرقابة على السلطة التنفيذية مهددة بأن تتحول إلى رقابة مهذبة لا تُغضب أحدًا.
المشكلة ليست أن يكون الرئيس تاجرًا أو مقاولًا، بل أن تتحول القبة إلى نقطة التقاء بين المصالح الاقتصادية والحسابات الحكومية، على حساب الإرادة النيابية المستقلة.
القبة ليست شركة مساهمة، وأصوات النواب ليست أسهمًا في بورصة السياسة، ورئاسة المجلس ليست عقد مقاولة بين أطراف تبحث عن ضمان مصالحها.
إن الأردن بحاجة إلى رئيس يملك شجاعة مساءلة الحكومة، لا رئيسًا تحتاج الحكومة إلى الاطمئنان إليه؛ رئيسًا يستمد قوته من النواب وإرادتهم، لا من شبكات النفوذ أو التفاهمات التي تُعقد بعيدًا عن أعين الناس.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصوت عالٍ: هل يُنتخب رئيس مجلس النواب بإرادة النواب وحدهم، أم أن هناك من يحاول ترتيب المشهد من تحت الطاولة، ثم يترك للصندوق مهمة إضفاء الشرعية على ما جرى خلف الستار؟

