صراحة نيوز – زياد فرحان المجالي
تخيّل أن يكون آخر حوار بينك وبين أبيك معركةً قاسية، تخرج منها منتصراً بحججك، ثم يرحل فجأة، فتكتشف أن كلماتك الأخيرة كانت أشد مما يستحق، وأن اعتذاراً بسيطاً أصبح أمنية مستحيلة. لكن تخيّل أيضاً أن تقضي عمرك صامتاً أمام الظلم، تخشى التعبير عن رأيك، لأن كل اختلاف مع أبيك يُفسَّر عقوقاً، وكل محاولة للدفاع عن نفسك تُعدّ خروجاً عن الطاعة!
بين هذين المشهدين تكمن الحقيقة التي نغفل عنها كثيراً: ليس كل اختلاف عقوقاً، وليس كل تمسّك بالسلطة أبوةً حكيمة.
تُنسب إلى الإمام الشافعي مقولة في معناها أن الإنسان لا ينبغي أن يدخل في خصومة مع أبيه لمجرد إثبات أنه على حق. وسواء صحت نسبتها إليه أم لم تصح، فإنها تطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: كيف نحفظ للآباء مكانتهم دون أن نصادر حق الأبناء في التفكير والاختيار؟
إن بر الوالدين قيمة عظيمة، لكنه لا يعني إلغاء شخصية الابن أو مطالبته بالتنازل عن قناعاته. فالاحترام لا يشترط الاتفاق، والطاعة ليست تفويضاً مطلقاً، كما أن الاختلاف لا يمنح أحداً الحق في التجريح أو الإهانة.
لقد أمر القرآن الكريم بالإحسان إلى الوالدين، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، لكنه رسم أيضاً حدود الطاعة حين قال: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، في سياق النهي عن طاعتهما في الشرك. وفي ذلك تأصيل بالغ الدلالة: يمكن أن ترفض أمراً، وأن تبقى بارّاً بصاحبه.
فالأب الذي أفنى سنوات عمره في التربية والرعاية يستحق التقدير والوفاء، لكن هذه التضحية لا تجعل آراءه معصومة من الخطأ. والابن الذي بلغ الرشد واكتسب المعرفة والخبرة يملك حق اتخاذ قراراته، لكنه مطالب بألا يحوّل استقلاله إلى استعلاء على من سبقه عمراً وتجربة.
والمشكلة تبدأ حين يخلط بعض الآباء بين الاحترام والخضوع، فيعتبرون النقاش تحدياً لهيبتهم، بينما يخلط بعض الأبناء بين الحرية والتمرد، فيظنون أن ارتفاع الصوت دليل قوة الشخصية.
والحقيقة أن الطرفين قد يخسران حين يتحول الحوار إلى صراع على السلطة، بدلاً من أن يكون جسراً للتفاهم.
الأبوة الحكيمة لا تخشى السؤال، ولا ترى في استقلال الأبناء تهديداً لمكانتها. والبنوة الواعية لا تستغل أخطاء الآباء لإسقاط فضلهم، ولا تستخدم المعرفة الجديدة ذريعةً للاستخفاف بتجاربهم.
وليس مطلوباً من الابن أن يتحمل الإهانة أو الأذى باسم البر؛ فمن حقه وضع حدود محترمة تحمي كرامته وسلامته، دون أن يجعل القطيعة أو الإساءة خياره الأول.
إن الأسرة السليمة ليست تلك التي ينتصر فيها الأب دائماً، ولا تلك التي يفرض فيها الابن رأيه بالقوة، بل التي يستطيع أفرادها الاختلاف دون خوف، والاعتذار دون إذلال، والتراجع دون شعور بالهزيمة.
فالبر لا يعني أن تخسر نفسك إرضاءً لأبيك، والاستقلال لا يعني أن تخسر أباك لتثبت نفسك. وبين الحقين مساحة واسعة اسمها الرحمة، لا تكتمل فيها كرامة أحد على حساب كرامة الآخر.

