من كنيسة حمود إلى قاعات الجامعات: متى نجفف منابع التطرف في الأردن؟

3 د للقراءة
3 د للقراءة
من كنيسة حمود إلى قاعات الجامعات: متى نجفف منابع التطرف في الأردن؟

صراحة نيوز – د. عبد السلام المعلا، رئيس معهدي أميركا الشمالية التقني واللغوي

لم تكن الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة حمود في محافظة الكرك، يوم 23 تشرين الأول 2026، مجرد اعتداء مسلح على مكان للعبادة، بل اعتداءً على قيم المواطنة والعيش المشترك التي شكّلت ركناً أساسياً في المجتمع الأردني. فقد أودى الهجوم بحياة عدد من الأبرياء وأصاب العشرات خلال مراسم جنازة، في مشهد يستدعي إدانة قاطعة، ومحاسبة الجناة، ومراجعة جادة للبيئات التي تسمح بنمو الأفكار التي تبرر قتل الإنسان بسبب معتقده أو هويته. إن المواجهة الأمنية ضرورة لحماية المجتمع، لكنها وحدها لا تكفي لاجتثاث الفكر المتطرف من جذوره.

والسؤال الذي يجب ألا نخشى طرحه: أين تبدأ صناعة العقل المتطرف، ومن المسؤول عن مواجهته قبل أن يتحول إلى عنف؟ بين أيدينا نماذج مقلقة من رسائل متداولة في مجموعات طلابية جامعية أردنية، تتضمن تمجيداً لهجمات مسلحة، واحتفاءً بمنفذيها، وتوظيفاً للخطاب الديني لإضفاء البطولة والقداسة على العنف. وهذه الرسائل لا تثبت تورط أصحابها في أي عمل إرهابي، ولا تمثل بالضرورة آراء زملائهم أو جامعاتهم، لكنها تكشف عن خطاب يستحق الدراسة والمساءلة التربوية. والأخطر أن يصبح تمجيد العنف أمراً مألوفاً في البيئة التعليمية، بينما تنشغل الجامعات بالمؤتمرات والتصنيفات والاحتفالات، وتغيب عنها مسؤولية بناء الإنسان واحترام الحياة.

وليست المخاوف من ضعف الدور الوقائي للجامعات مجرد انطباعات شخصية، فقد تناولت دراسة أردنية محكّمة، منشورة عام 2019، دور كليات التربية والشريعة في الجامعات الأردنية الحكومية في الوقاية من التطرف الديني، وشملت 262 عضو هيئة تدريس و15 قائداً أكاديمياً. وأظهرت نتائجها أن الدور الوقائي كان بدرجة متوسطة، وأن البرامج التدريبية والتأهيلية جاءت ضمن أضعف المجالات، مع وجود معيقات تتعلق بغياب الخطط الواضحة. وهذه النتائج لا تعني أن كليات الشريعة أو التربية حاضنة للتطرف، لكنها تؤكد الحاجة إلى تطوير دورها الوقائي، خصوصاً أنها تسهم في إعداد معلمين ومربين ووعاظ سيكون لهم تأثير مباشر في الأجيال المقبلة.

من هنا يجب أن تبدأ المعركة الفكرية الحقيقية: من المدرسة والجامعة، ومن مراجعة المناهج وأساليب التدريس، وتعزيز التفكير النقدي، وتعليم قيم المواطنة والتعددية وحرية المعتقد. ويجب ألا يُسمح بتحويل القاعات الدراسية أو المنصات الطلابية إلى أدوات للتحريض أو تبرير قتل الأبرياء، مع التمييز الواضح بين التعبير السلمي عن المواقف السياسية والتضامن مع ضحايا الحروب، وبين تمجيد الاعتداءات على المدنيين. كما أن مواجهة التطرف مسؤولية مشتركة لوزارات التعليم والموارد البشرية، والتعليم، والأوقاف، والشباب، والجامعات والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني، ولا يجوز اختزالها في الشعارات أو الندوات الموسمية.

إن دماء ضحايا كنيسة حمود تفرض علينا مسؤولية تتجاوز الحزن والإدانة. نحتاج إلى استراتيجية وطنية قابلة للقياس، تُراجع المناهج، وتؤهل المدرسين والمعلمين، وتواجه التحريض، وتحمي حرية الفكر والمعتقد، وتغرس احترام الإنسان أياً كان دينه. فالإرهاب لا يبدأ بالرصاصة وحدها، قد تسبقه سنوات من تبرير الكراهية وتجريد الآخر من إنسانيته. وإذا أردنا حماية الأردن، فعلينا أن نواجه الفكر الذي يبرر العنف قبل أن يتحول إلى جريمة جديدة.

شارك هذا المقال