مانديلا… والحرية التي تمنح الآخر طمأنينة

3 د للقراءة
3 د للقراءة
مانديلا... والحرية التي تمنح الآخر طمأنينة

صراحة نيوز – د. منى النحلاوي

هل تمتلك شعور الحرية؟

يبدو مفهوم الحرية واضحا للوهلة الأولى، لكننا حين نتأمله ندرك أنه أعمق وأكثر دقة مما نتصور. فالحرية ليست مجرد أن نتخلص من القيود، أو أن نفعل ما نشاء، وإنما أن نمتلك أنفسنا دون أن نسلب الآخرين حقهم في امتلاك حريتهم.

ولعل تجربة نيلسون مانديلا تختصر لنا هذا المعنى. فقد خرج من السجن بعد سبعة وعشرين عاما، لكنه لم يخرج ليستعيد حريته الشخصية فحسب، بل استطاع أن يتحرر من سجن آخر: سجن المرارة والرغبة في الانتقام. لم يجعل الظلم الذي وقع عليه مبررا لأن يمارس الظلم على غيره، ولم ينقل معاناته إلى شعبه، بل وظّف حريته في قيادة شعبه نحو التحرر، واختار المصالحة وبناء مجتمع يتسع للجميع.

وهنا تكمن دلالة الحرية: أن تتحرر من القيد دون أن تتحول إلى قيد لغيرك.

فكم من إنسان يطالب بحريته، لكنه لا يمنح الآخرين المساحة نفسها؟ وكم من شخص يخلط بين الحرية وامتلاك الآخر، فيريد أن يحدد له ما يفعل، وما يقول، وكيف يشعر، وكأن وجود الآخر امتداد لوجوده وليس كيانا مستقلا عنه؟

إن الحرية في العلاقات الإنسانية ليست أن أمتلك الآخر، بل أن أحترم استقلاله ومكانته وكيانه، وأن أحافظ على مسافة الطمأنينة بيني وبينه؛ فلا يشعر أن عليه أن يتنازل عن نفسه حتى يرضيني، ولا أرى في اختلافه أو اختياراته تهديدًا لوجودي.

والحرية أيضا أن أشعر بما يشعر، وأن أقدّر جهده، وأعترف بما يقدمه لي، وأقول له شكرا. فالتقدير والامتنان ليسا مجرد مجاملات، بل اعتراف بقيمة الآخر وبحقه في أن يُرى ويُحترم، لا أن يُؤخذ عطاؤه وكأنه أمر مفروغ منه.

وهنا تتجاوز الحرية حدود السلوك الفردي لتصبح انعكاسا لوعينا الإنساني؛ فليس المهم فقط أن نتحرر من القيود التي فُرضت علينا، بل ألا نعيد إنتاجها في حياة الآخرين.

وهذا ما نستحضره في تجربة مانديلا؛ فحين خرج من زنزانته، لم يحمل سجّانه في داخله، ولم يجعل من الآخرين سجناء لماضيه، بل سعى إلى طمأنة خصومه قبل أنصاره بأن الغد يتسع للجميع.

والسؤال لك عزيزي القارئ:

فهل تحررنا فعلا من القيود، أم أننا أحيانًا نخرج من سجوننا لنصنع سجونا لغيرنا؟

فالحرية ليست أن أكون حرا وحدي، بل أن يكون وعيي بحريتي سببا في احترام حرية الآخرين وتعزيزها.

شارك هذا المقال