الهالوين الوثني في العواصم العربية وتظاهرات دعم لفلسطين في مدن العالم… وإهانة علماء العراق!

7 د للقراءة
7 د للقراءة
الهالوين الوثني في العواصم العربية وتظاهرات دعم لفلسطين في مدن العالم… وإهانة علماء العراق!

صراحة نيوز – رصد – صحف عربية – في مشهد يعكس تناقضات العالم ما بعد المعاصر، تتزامن احتفالات الهالوين، التي تتزين خلالها الشوارع والمحال التجارية والمراكز الترفيهية بالأقنعة والقرع البرتقالي والأزياء المخيفة، مع مشهد إنساني مثير في المظاهرات والمسيرات المؤيدة لفلسطين في عدد كبير من المدن البريطانية والأوروبية والعالمية.
وبين أجواء المرح والاحتفال من جهة، ومشاهد الغضب والتضامن الإنساني من جهة أخرى، تبدو شوارع العالم وكأنها تقدم صورتين مختلفتين لواقع واحد، تتداخل فيه السياسة والتجارة والقضايا الإنسانية.
في 31 أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، يحتفل ملايين الأشخاص بعيد الهالوين الوثني، الذي تحول خلال العقود الأخيرة إلى مناسبة تتجاوز حدود البلدان التي نشأ فيها.
ولم تعد مظاهر الاحتفال مقتصرة على الغرب، بل امتدت إلى عواصم ومدن عربية رئيسية، حيث باتت الفنادق والمطاعم والمقاهي والمراكز التجارية تنظم فعاليات خاصة، وتتنافس في تقديم الأزياء التنكرية والحفلات والمسابقات، فيما يشارك الأطفال والشباب في ارتداء الأقنعة وتبادل الخوف والتقاط الصور.
وشهدت مدن مثل دبي وأبو ظبي والرياض والقاهرة وبيروت وغيرها مظاهر نادرة وواسعة جدا من الاحتفال هذا العام. ففي بعض الأماكن أصبحت المناسبة تثير نقاشاً اجتماعياً ودينياً حول طبيعة الاحتفال ومدى انسجامه مع الثقافات الدينية المحلية.
تاريخ الهالوين، كما هو معروف، يعود في جذوره إلى تقاليد أوروبية قديمة، أبرزها مهرجان «سامهاين» الذي ارتبط بالشعوب السلتية في أيرلندا واسكتلندا ومناطق أخرى من أوروبا قبل المسيحية. وكان يمثل نهاية موسم الحصاد وبداية الشتاء، وهي فترة اعتقدت خلالها بعض الجماعات القديمة أن الحاجز بين عالم الأحياء والأموات يصبح أقل وضوحاً، وأن أرواح الموتى قد تعود إلى الأرض. ولذلك كانت تُشعل النيران الكبيرة، ويرتدي الناس أزياء وأقنعة غريبة وعجيبة اعتقاداً بأنها تحميهم من الأرواح الشريرة.
واستغلت المسيحية المناسبة، فربطتها بعيد جميع القديسين، الذي يصادف الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، وأُطلق عليه «هالوين إيف». ثم انتقلت التقاليد الأيرلندية الإسكتلندية إلى الولايات المتحدة مع موجات الهجرة في القرن التاسع عشر، وهناك اكتسبت شكلها التجاري والترفيهي المعروف اليوم، من نحت ثمار اليقطين إلى لعبة «الحلوى أو الخدعة» وصولاً إلى صناعة ضخمة تحقق عوائد اقتصادية كبيرة.
لكن المدهش هذا العام أن الصورة الأخرى في شوارع العالم كانت مختلفة تماماً. فبينما تنشغل بعض المدن غير المعنية بهذا الطقس بتزيين واجهاتها بالأشباح والهياكل العظمية والوجوه المرعبة، لا تزال فلسطين حاضرة وتعيش يوميا بقوة في الميادين والساحات العامة في دول العالم، من خلال مظاهرات ومسيرات يشارك فيها آلاف الأشخاص، تعبيراً عن التضامن مع الفلسطينيين والمطالبة بوقف الحرب وإنهاء معاناة المدنيين في قطاع غزة، ووقف إمدادات السلاح لإسرائيل، ومحاسبة المسؤولين عن الفضائع، التي تمثل هالوينا يوميا وحقيقيا ضد الفلسطينيين الأحياء.
ففي بريطانيا، لم تعد المظاهرات المؤيدة لفلسطين حدثاً استثنائياً، بل أصبحت جزءاً من المشهد السياسي والاجتماعي في العاصمة لندن ومدن أخرى. وقد شهدت لندن مسيرة قياسية بمشاركة عشرات آلاف المتظاهرين، رفعوا الأعلام الفلسطينية وارتدوا الكوفية، وساروا نحو اتجاه البرلمان البريطاني، حاملين شعارات تطالب بوقف الحرب وفرض عقوبات على إسرائيل، جنبا الى جنب مع احتفالات الهالوين.
وامتد هذا الحراك إلى مدن أوروبية عديدة، بينها روما وبرلين ودبلن وأمستردام وباريس وأثينا، حيث خرجت تجمعات شعبية تطالب بإنهاء الحرب ووقف الدعم العسكري لإسرائيل. وفي العاشر من أكتوبر/تشرين الأول تحديداً، تزامنت تحركات في عشرات المدن حول العالم مع مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في غزة، وشملت فعاليات في أوروبا والأمريكيتين وأستراليا وآسيا وأفريقيا.
ولم يقتصر التضامن على أوروبا. فقد شهدت مدن في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وجنوب أفريقيا وتركيا واليابان وباكستان والمغرب وغيرها فعاليات ومسيرات ووقفات احتجاجية. وتنوعت أشكال المشاركة بين المسيرات الجماهيرية والاعتصامات الجامعية والفعاليات الثقافية والفنية، في تعبير عن اتساع رقعة الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية.
بينما كانت حواضر العرب مهمومة بالهالوين ولم تسمع شيئا عما يحدث في غزة!
في المقابل، لا تخلو هذه المظاهرات من الجدل السياسي والقانوني، خصوصاً في بريطانيا، حيث تثير القيود المفروضة على بعض الشعارات والتنظيمات المرتبطة بفلسطين نقاشاً حول حدود حرية التعبير وحق التظاهر، وحول التوازن بين تطبيق القانون وحماية الحريات العامة.
ليس من الضروري أن يكون الاحتفال بالهالوين نقيضاً للتضامن مع فلسطين، فلكل منهما سياقه ودوافعه المختلفة. لكن التزامن بين المشهدين يطرح تساؤلات عن أولويات المجتمعات العربية، وعن قدرة الإنسان في الجمع بين حياته اليومية واهتمامه بالقضايا الإنسانية الكبرى.
ففي الوقت الذي تنفق فيه ملايين الأموال على الأزياء والحفلات والمناسبات الترفيهية، يخرج آخرون إلى الشوارع حاملين صور الضحايا والأعلام الفلسطينية، مطالبين العالم بألا يعتاد مشاهد الموت والدمار والقتل.
إنها مفارقة تختصر جانباً من واقع عالم يعيش فيه الناس أعيادهم ومناسباتهم، بينما تستمر الحروب والأزمات الإنسانية في أماكن أخرى، وكأنها غير موجودة. وربما تكمن الرسالة الأهم في أن الاحتفال بالحياة لا ينبغي أن يلغي الشعور بالمسؤولية تجاه حياة الآخرين، وأن الترفيه والثقافة لا يتعارضان مع التضامن الإنساني والتمسك بحق الشعوب في الأمن والحرية والكرامة.

إهانة العلماء في العراق!

ليست كل الفضائح التي تهز صور البلدان مرتبطة بالفساد المالي أو السياسي؛ فبعضها يكشف أزمة أعمق، عنوانها غياب احترام وتقدير العلم والعلماء. وهذا بالضبط ما كشفته حادثة البروفيسور العراقي البريطاني سلمان الرواف في مؤتمر العراق للتعليم، هذا الأسبوع والذي استضافته جامعة بغداد يومي 28 و29 الأسبوع الماضي.
فقد جاء البروفيسور من لندن، حيث يعمل أستاذاً للصحة العامة في إمبريال كوليدج لندن، إحدى أبرز المؤسسات الأكاديمية في العالم، للمشاركة بخبرته العلمية في مؤتمر يفترض أنه يحتفي بالمعرفة والكفاءات العراقية.
لكن المشهد الذي نقلته التلفزيونات ومواقع التواصل كان صادماً جدا ومبكيا في آن. فبمجرد مغادرة وزير التعليم العالي قاعة المؤتمر، بدأ بعض مراسلي القنوات الفضائية بسحب الميكروفونات وشعارات قنواتهم من أمام البروفيسور العالم، ثم أطفئت الأنوار وهو فوق المنصة يتحدث، وكأن قيمة المؤتمر انتهت بخروج المسؤول، ولم يعد هناك ما يستحق الاستماع إليه!
لم يتمالك الرواف غضبه من فوق المنصة، وقال بمرارة: «قطعت خمسة آلاف ميل لكي لا يسمعني أحد» في بلدي، قبل أن يصف ما جرى بأنه أمر مخجل جدا وبشع.
المؤلم أن العراق الذي يتحدث باستمرار عن استعادة علمائه وعقوله المهاجرة، يقدم لهم صورة منفّرة ومقززة عن واقع مؤسساته التي لم تحترم أبدا تاريخه العلمي العظيم.
صحيح أن الرجل وصف ما حدث لاحقاً بأنه خطأ تنظيمي، بعد أن قبل الاعتذار، لكن الحادثة تظل جرس إنذار مخيف.
فالعلماء لا يحتاجون إلى حضور وزير كي يستحقوا الاحترام، والميكروفون، الذي يُسحب من أمام عالم هو رمز لدرك أكبر وأعمق: حين يصبح المسؤول أهم من العلم، تخسر الأوطان مستقبلها وابناءها أيضا.

كاتب من أسرة «القدس العربي»:

شارك هذا المقال