ليون سيوفي يكتب: حين يتحدث ملك الأردن يصمت ضجيج السياسة وتتكلم هيبة الدولة …!

6 د للقراءة
6 د للقراءة
ليون سيوفي يكتب: حين يتحدث ملك الأردن يصمت ضجيج السياسة وتتكلم هيبة الدولة ...!

صراحة نيوز – كتب د. ليون سيوفي باحث وكاتب سياسي لبناني

خطاب الملك عبد الله الثاني ليس مجرد كلمات أمام البرلمان … بل رسالة إلى العالم العربي كله …!.
في زمن أصبح فيه بعض القادة يترددون في قول الحقيقة، وتُقاس فيه المواقف بميزان المصالح والضغوط، جاء خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني ملك الأردن ليذكّر العرب بأن القيادة مسؤولية، وأن هيبة الدولة ليست شعاراً، وأن كرامة الأوطان لا تُساوَم.
من لبنان، أقولها بكل اعتزاز : هنيئاً للأردنيين بملك يحمل قضايا وطنه وأمته بثبات ووضوح، ويتحدث بلغة الدولة الواثقة من نفسها ومن مبادئها.
ليس عادياً أن يستمع لبناني إلى خطاب ملك عربي هاشمي فيشعر أن كثيراً مما يسمعه هو ما يتمنى أن يراه واقعاً في بلاده، وليس عادياً أن يتحول خطاب عرش إلى رسالة سياسية تتناول أمن الوطن، وحقوق الأمة، وسيادة القانون، ومستقبل الأجيال.
لقد حمل خطاب جلالة الملك رسائل تتجاوز حدود المملكة الأردنية الهاشمية وجاء تأكيداً لثوابت الأردن ومواقفه في مرحلة إقليمية بالغة الدقة.

أولاً : أمن الأردن خط أحمر
تحدث جلالة الملك بحزم عن الإرهاب، مؤكداً رفض السماح للإرهابيين بالمساس بأمن الأردن ووحدته، مستذكراً شهداء الكرك، ومشدداً على أن دماءهم عهد في أعناق الأردنيين.
إنها رسالة واضحة بأن أمن الوطن ليس موضوعاً للمساومة، وأن حماية المواطنين واجب لا يقبل التردد.

ثانياً : فلسطين قضية حق لا تسقط بالتقادم
كان موقف الملك عبدالله من القضية الفلسطينية واضحاً وصريحاً، مؤكداً أن الأمن والأستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحققا من دون ضمان حقوق الشعب الفلسطيني.
وحذّر من الأطماع التوسعية الإسرائيلية، معتبراً إياها أكبر تهديد لمستقبل المنطقة وآمالها.
ومن أبرز ما جاء في كلماته :
«فمن ظن أن الطغيان يمنح الشرعية … واهم».
«ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة.. واهم».
«ومن ظن أن الأردني يتراجع عن مبادئه … أيضاً واهم».
هذه العبارات تختصر موقفاً أردنياً ثابتاً، وتؤكد أن الحقوق لا تُمحى بالقوة، وأن فلسطين تبقى قضية عربية لا يمكن تجاوزها أو اختزالها.

ثالثاً: القانون فوق الجميع
لعل من أبرز ما استوقفني في خطاب العرش تأكيد جلالة الملك أن لا حصانة لمن يسيء إستخدام منصبه، وأن هيبة الدولة وسيادة القانون تتقدمان على كل أعتبار.
وقال عبارته ألتي تستحق أن تُكتب على أبواب المؤسسات العامة :
«القانون لا يعرف اسماً، ولا منصباً، ولا نفوذاً».
إنها قاعدة جوهرية لبناء الدولة؛ فلا مسؤول فوق المحاسبة، ولا نفوذ أقوى من القانون، ولا مواطنة حقيقية من دون مساواة أمام القضاء.

رابعاً: البرلمان مسؤولية وطنية :
وجّه الملك رسالة واضحة إلى مجلس الأمة، داعياً إلى ممارسة دوره في الرقابة على الأداء الحكومي وخدمة المصلحة العامة.
وأكد أن الإختلاف في الرأي يجب أن يكون مصدر قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية.
وهذا هو جوهر العمل البرلماني : أن يكون الإختلاف وسيلة لتطوير الدولة، لا سبباً لتعطيلها.

خامساً: أمن المياه ومستقبل الأجيال :
لم يغفل جلالة الملك عن الأمن المائي، فشدد على أنه أولوية وطنية، وعلى ضرورة حماية حقوق الأردنيين المائية وضمان إحتياجات الأجيال القادمة.
وهذا دليل على أن مسؤولية القيادة لا تتوقف عند إدارة أزمات الحاضر، بل تمتد إلى التخطيط للمستقبل وحماية مقدرات الوطن.

ومن الأردن إلى لبنان … أين نحن من مفهوم الدولة …؟.

هنا تبرز المقارنة ألتي لا يمكن تجاهلها.
حين يتحدث جلالة الملك عن سيادة القانون، ومحاسبة المسؤولين، وحماية أمن الوطن، ووضوح القرار الوطني، يدرك اللبناني حجم ما خسره بلده من غياب هذه المبادئ عن الحياة السياسية.
في لبنان، ما زلنا نبحث عن دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والقرار الوطني مستقلاً، والمواطن بعيداً عن رهائن المصالح الحزبية والطائفية، والسيادة ممارسة فعلية لا مجرد خطاب.
لسنا بحاجة إلى إسترداد تجربة أحد، بل إلى إستعادة مفهوم الدولة : مؤسسات تعمل، ومسؤولون يُحاسبون، وقرار يحمي الوطن، ومصلحة عامة تتقدم على كل المصالح الخاصة.

إن خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني يذكّرنا بأن الدولة القوية تبدأ من وضوح القيادة، واحترام القانون، والتفاف الشعب حول مؤسساته وثوابته الوطنية.

تحية من لبنان إلى الأردن
إلى جلالة الملك عبد الله الثاني، أقول :
إن خطابكم حمل رسائل تستحق التقدير، من الدفاع عن فلسطين وحقوق شعبها، إلى حماية أمن الأردن، وترسيخ سيادة القانون، وصون مستقبل الأجيال.
لقد تحدثتم عن قضايا تمسّ وجدان كل عربي يؤمن بأن الأوطان لا تُصان إلا بالمسؤولية والثبات والتمسك بالحقوق.
وإلى سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، وإلى الجيش العربي الأردني، وإلى المؤسسات الأمنية، وإلى كل أردني يعمل من أجل وطنه، تحية إحترام واعتزاز.
أما الشعب الأردني الشقيق، فأقول له : اعتزّوا بوطنكم وتاريخكم وهويتكم العربية، فالأردن له مكانته في وجدان أمته، وله دور ومسؤوليات في منطقة تحتاج إلى مواقف ثابتة وعقول حكيمة.
ليس ضرورياً أن تحمل الجنسية الأردنية كي تحترم الأردن، ولا أن تعيش على أرضه كي تشعر بالفخر والإعتزاز حين تسمع خطاباً يحمل هذا القدر من المسؤولية والوضوح.
من لبنان، أرض الأرز، إلى الأردن، أرض النشامى، أبعث تحية محبة ووفاء وتقدير.
هنيئاً للأردن بقيادته الهاشمية الحكيمة، وهنيئاً لشعبه بوطن يعتز به.
عاش الأردن عزيزاً، آمناً، شامخاً، وعاشت الأخوّة اللبنانية الأردنية جسراً من المحبة والاحترام بين الشعبين.

شارك هذا المقال