صراحة نيوز -زياد فرحان المجالي
في السياسة الأردنية، ليست كل التحولات المهمة تلك التي تُعلن في البيانات الرسمية، ولا كل القرارات الاستراتيجية تلك التي تصدر تحت عناوين الإصلاح والتحديث. فثمة تحولات أعمق يمكن قراءتها من خلال حركة المؤسسات، وتبدّل الوجوه، وإعادة توزيع مواقع النفوذ. ومن أبرزها ما يبدو اتجاهاً نحو عدم السماح بتحويل رئاسة مجلس النواب إلى موقع دائم لشخصية بعينها، مهما بلغت خبرتها أو اتسعت علاقاتها أو تعاظم حضورها السياسي.
هذه القراءة تقودنا إلى مفهوم كثيراً ما يُستخدم وقليلاً ما يُفهم بدقة: «الدولة العميقة». والمقصود هنا ليس وجود سلطة خفية تصدر التعليمات من وراء الستار، وإنما عقل الدولة المؤسسي، بما يمتلكه من خبرة تاريخية وحساسية تجاه توازنات السلطة، وإدراك للمخاطر التي تنشأ عندما تتحول المواقع الدستورية إلى مراكز نفوذ شخصية تتجاوز حدود الوظيفة العامة.
فالدولة التي راكمت خبرتها عبر عقود تعرف أن المشكلة لا تبدأ حين يصل سياسي قوي إلى رئاسة مجلس النواب، وإنما حين يصبح بقاؤه في الموقع جزءاً من معادلة السلطة، وحين تتشكل حوله شبكات من المصالح والولاءات والتفاهمات، تجعل تغيير الرئيس أصعب من انتخابه، وتحوّل المؤسسة تدريجياً من فضاء للتعددية إلى امتداد لزعامة فردية.
وهنا يكمن الفارق بين رئيس قوي لمجلس النواب، ورئيس يتحول إلى مركز قوة داخل الدولة. الأول يستمد قوته من الدستور والنظام الداخلي وثقة زملائه وقدرته على إدارة التشريع والرقابة، أما الثاني فقد يبدأ، مع طول البقاء، في بناء نفوذ يتجاوز حدود المنصب، بحيث تصبح علاقاته الشخصية وموقعه في التوازنات السياسية أكثر تأثيراً من المؤسسة التي يرأسها.
ولذلك، فإن تداول رئاسة مجلس النواب لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد تغيير أسماء، أو تصفية حسابات مع شخصيات سابقة، بل باعتباره وسيلة لحماية المؤسسة من احتكار النفوذ، وإعادة التوازن بين الموقع الدستوري وشاغله.
والأردن، بحكم تركيبته السياسية والاجتماعية، أكثر حساسية تجاه هذه المسألة. فحين يجتمع النفوذ البرلماني مع الامتدادات الاجتماعية والاقتصادية وشبكات العلاقات السياسية، قد تنشأ مراكز تأثير يصعب الفصل فيها بين السلطة العامة والمكانة الشخصية. وهنا تصبح عملية التجديد ضرورة مؤسسية، لا موقفاً من الأشخاص.
لكن الأهم أن هذا المنطق لا يعني إضعاف مجلس النواب أو صناعة رئاسة محدودة التأثير. فالدولة القوية لا تحتاج إلى برلمان ضعيف، وإنما إلى برلمان قوي بمؤسساته، لا بأفراد يحتكرون تمثيله. وهي لا تخشى الرئيس القادر على ممارسة صلاحياته، بل ينبغي أن تتحفظ على تحويل الصلاحيات إلى نفوذ شخصي دائم.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة انتقال الرئاسة من أحمد الصفدي إلى مازن القاضي، ثم انتخاب الدكتور إبراهيم الطراونة في الثاني من تشرين الثاني 2026، بوصفه مؤشراً يستحق التأمل في اتجاه تجديد القيادة البرلمانية. فقد فاز الطراونة بسبعين صوتاً في انتخابات تنافسية، وهو ما يمنحه شرعية انتخابية ومسؤولية سياسية في آن واحد.
غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين قراءة اتجاه سياسي وبين الجزم بوجود قرار صادر عن جهة غير معلنة. فلا توجد أدلة علنية كافية للقول إن الدولة العميقة هي التي قررت هذه الانتقالات. كما أن الدستور يمنح النواب حق انتخاب رئيسهم لمدة سنة شمسية، ويجيز إعادة انتخابه. وبالتالي فإن التداول الذي ندافع عنه ينبغي أن يكون ثمرة إرادة نيابية حرة، لا نتيجة وصاية على المجلس.
والدرس الأعمق أن طول البقاء ليس فساداً بحد ذاته، كما أن تغيير الأشخاص ليس إصلاحاً تلقائياً. فقد ينجح رئيس لسنوات في خدمة المؤسسة، وقد يفشل آخر خلال أشهر. لكن استمرار التداول يفتح المجال أمام قيادات جديدة، ويمنع نشوء الاعتقاد بأن المنصب حق مكتسب، أو أن المؤسسة لا تستطيع العمل إلا من خلال شخصية واحدة.
وهنا نبارك للدكتور إبراهيم الطراونة انتخابه رئيساً لمجلس النواب، متمنين أن تكون سنته الرئاسية سنة إنجاز تشريعي ورقابي حقيقي، وأن يقدم نموذجاً للرئيس الذي يعزز هيبة المجلس واستقلاليته، ويترك وراءه مؤسسة أقوى مما تسلّمها. فالنجاح لا يُقاس بعدد السنوات التي يقضيها الرئيس تحت القبة، بل بما يحققه خلالها للوطن والمواطن.
والخلاصة أن الدولة الراسخة لا تُقاس بقدرتها على صناعة الرجال الأقوياء وحدهم، بل بقدرتها على بناء مؤسسات لا تصبح رهينة لأي رجل، مهما كانت قوته. فرئاسة مجلس النواب موقع دستوري يتجدد بتجدد الثقة، وليست عرشاً سياسياً يُورث، ولا زعامة دائمة تُحتكر.

