أبو هلال يكتب: ابن رشد وابن تيمية.. اختلاف العقلاء في فهم العقل

4 د للقراءة
4 د للقراءة
أبو هلال يكتب: ابن رشد وابن تيمية.. اختلاف العقلاء في فهم العقل

صراحة نيوز -كتب: محمود أبو هلال – بين فترة وأخرى، ومع كل سجال فكري أو حادثة تثير الجدل حول الدين والعقل والهوية، يعود اسما ابن رشد وابن تيمية إلى واجهة النقاش، ويستحضرهما المتجادلون بوصفهما رمزين لمعسكرين متقابلين.. ابن رشد رمز النور والعقل والانفتاح، وابن تيمية عنوان الظلام والتشدد والانغلاق. وهذه المقاربة، على شيوعها، تظلم الرجلين معا، وتختزل خلافا معرفيا عميقا في تصنيفات معاصرة.

نحن أمام رجلين كبيرين، عاش كل منهما في سياق تاريخي مختلف، وانشغل بأسئلة عصره، وانتهى إلى مشروع فكري واجتهاد خاص في فهم العلاقة بين العقل والنص، وحدود الفلسفة والتأويل.

ابن رشد، الفيلسوف والقاضي الأندلسي، نشأ في بيئة عرفت تفاعلا واسعا مع الفلسفة اليونانية، وكرس جانبا مهما من مشروعه للدفاع عن شرعية النظر الفلسفي. في كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال)، حاول إثبات أن الفلسفة لا تتعارض مع الدين، بل إن النظر العقلي قد يكون واجبا شرعيا على من امتلك أدواته. ورأى أن التعارض الظاهري بين النص والحقيقة العقلية يمكن رفعه بالتأويل، وفق ضوابط معرفية لا يملكها كل أحد.

لم يكن ابن رشد يدعو إلى إقصاء الدين لمصلحة الفلسفة، وإنما إلى فتح المجال أمام العقل داخل المرجعية الدينية، وتجاوز أسر التقليد، وإتاحة المجال أمام البرهان والنظر والاجتهاد. وقد امتد تأثيره إلى أوروبا، حيث أصبحت شروحه لأرسطو من المراجع المهمة في الفلسفة اللاتينية، وظهرت لاحقا الرشدية اللاتينية.

أما ابن تيمية، الذي عاش في مرحلة شهدت اضطرابات سياسية ومذهبية وغزوات مغولية، فقد انشغل بمواجهة ما رآه انحرافات في العقيدة ومناهج الاستدلال، وانتقد بشدة المنطق الأرسطي والفلسفة والكلام. لكنه لم يكن معاديا للعقل في ذاته، بل خاض سجالات عقلية وفلسفية واسعة، وحاول إثبات أن العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح. وفي كتابه (درء تعارض العقل والنقل) تتجلى محاولته لإعادة بناء العلاقة بينهما، انطلاقا من رفض إخضاع النص الديني لمقدمات فلسفية اعتبرها غير ملزمة ولا يقينية.
ابن رشد أراد الدفاع عن الفلسفة وإثبات مشروعيتها الدينية، بينما انشغل ابن تيمية بنقد الوافدَين (الفلسفة والمنطق) والدفاع عما اعتبره صفاء المرجعية الدينية. الأول وسع مجال التأويل والبرهان الفلسفي، والثاني وضع قيودا أكثر صرامة على التأويل، وجعل الوحي مرجعية حاكمة في تحديد حدود المعرفة الدينية. ومع ذلك، لم يكن أي منهما مجرد ناقل أو مقلد، فكلاهما امتلك أدواته، وخاض اجتهادات عميقة، وترك تراثا تجاوز عصره.
ابن رشد الفلسفي لم يحظ في العالم الإسلامي بالانتشار الذي عرفه في أوروبا، حيث أسهم في تشكيل مسارات مهمة من التفكير الفلسفي، بينما كان أثر ابن تيمية أوسع في مسارات فكرية إسلامية لاحقة، وأصبح مرجعا لتيارات متعددة.
ولا تزال هذه المسافة الفكرية حاضرة في نقاشاتنا المعاصرة. فثمة من يستلهم ابن رشد في الدعوة إلى تجديد الفكر الديني والانفتاح على الفلسفة والعلوم، وثمة من يستحضر ابن تيمية في الدعوة إلى العودة إلى النصوص ونقد التأويلات والمناهج الوافدة. لكن تحويل الرجلين إلى رمزين لمعسكرين متخاصمين لا يساعدنا على فهم أي منهما، ولا على تجاوز أزماتنا الفكرية.

لسنا مضطرين إلى تسمية أحدهما رمزا للنور والآخر رمزا للظلام. ولسنا مطالبين بالاختيار بينهما، ولنسا مطالبين بالانتصار لابن رشد على حساب ابن تيمية، أو العكس. ولسنا مجبرين على أن نبقى أسرى إجابات الماضي. فكلاهما اجتهد في الإجابة عن أسئلة عصره.

شارك هذا المقال