إبشر.. ميثاقُ المنعةِ وعهدُ العقودِ اليعربية

3 د للقراءة
3 د للقراءة
إبشر.. ميثاقُ المنعةِ وعهدُ العقودِ اليعربية

صراحة نيوز – داود شاهين

في قراءة عميقة لخطاب الاستقلال الثمانين، لم تكن النبرة الملكية مجرد سردية عبور، بل بياناً استراتيجياً غادر مربع الطمأنينة التقليدية ليدخل عمق المكاشفة المسؤولة.

لم يكن الخطابُ السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبد الله الثاني بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين مجرد وقفة بروتوكولية لاستذكار المحطات، أو استعراض المنجزات؛ بل جاء وثيقةً سياسية واجتماعية وازنة، خطّت بمداد الحكمة والمكاشفة خارطة طريق استراتيجية تعبر بالوطن نحو عقده التاسع بيقين صلب لا يتردد، وعزيمة لا تلين. لقد تجاوز جلالته الرداء التقليدي للمناسبات، ليضع أبناء شعبه أمام حقيقة الدور التاريخي لبلدٍ لم يكن يوماً هامشاً في سفر البشرية، بل كان وما زال موطناً للامم وأرضاً للوئام.

في هذا الخطاب، تمازجت هيبة الفصحى بدفء النبرة الوجدانية، فجاءت كلمات الملك لتلامس شغاف القلوب حين خاطب الأردنيين بـ “أهلي وعزوتي” و”عائلتي الأردنية”، مكرساً فلسفة الحكم الهاشمي القائمة على التلاحم العضوي بين القيادة والشعب. إنها لغة عميد الأسرة الذي يكاشف عائلته بالصعاب، لا ليزرع فيهم الخوف، بل ليشحن في نفوسهم طاقات التحدي؛ فالثقة في العرف الملكي ليست إنكاراً للتحديات أو قفزاً فوق الواقع الاقتصادي والإقليمي المرير، بل هي “مواجهتها بوعي ومسؤولية”، وإيمانٌ مطلق بأن ما وُلد من رحم هذه الأرض الأصيلة لا يُهزم ولا يُكسر.

ولعل الذروة البلاغية والدلالية في الخطاب تجلت حين استدعى جلالته من الموروث النبيل والوجدان الشعبي كلمة “أبشر”، ليرفعها عالياً كشعار سياسي وأخلاقي يعكس عبقرية الشخصية الأردنية. عندما قال الملك: ( يعتلي لسانه ب “أبشر” جواباً سابقاً للطلب )، فإنه لم يصف مجرد كلمة تقال، بل كان يرسخ ميثاقاً وطنياً وهوية عروبية ناصعة. “إبشر” في النطق الملكي هي تجسيدٌ للنخوة والفزعة التلقائية، وهي التزام الأردن القومي والإنساني الذي يسبق النداء، تسنده في ذلك (أكتاف أبنائه العراض التي لا تصغر) من حمى الوطن وشبابه الذين سُقلتهم الأزمات فزادوا بأساً وثباتاً.

لقد أثبت الأردن — كما أكد جلالته — أنه رغم الأمواج العاتية التي تضرب المنطقة، ظل القلعة العصية التي تحمي حدودها، وتصون أمنها، وتواصل مسيرتها الديمقراطية، وتجنب اقتصادها أسوأ آثار الأزمات المركبة. هذا الصمود لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج وعي شعبي عتيد، وعهد وثيق “يحفظ في الصدور، الله أعلم به من كل قول”. ومن هنا، يخرج الخطاب السامي من إطار اللحظة الاحتفالية ليكون وثيقة متجددة تُعلن للعالم أن الأردن، بوجهته الواضحة وخياراته الراسخة، يمضي نحو مستقبله واثق الخطى، مقداماً، ومحصناً بوعي أبنائه وشهامتهم.

حمى الله الأردن والأردنيين

Share This Article