صراحة نيوز – بقلم الدكتور محمد خالد العزام
منذ سنوات طويلة، لم يشهد الشارع الأردني إحالة مسؤول كبير في الدولة أو وزير سابق أو حالي إلى القضاء بعد رفع الحصانة عنه بصورة أثارت الرأي العام وأعادت الثقة بقدرة المؤسسات على محاسبة أصحاب النفوذ. هذا الواقع يطرح تساؤلات مشروعة تتردد أصداؤها في المجالس والمنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي: هل أصبحت الحصانة جداراً يحمي المنصب فقط، أم أنها تحولت في نظر البعض إلى مظلة تعيق الوصول إلى الحقيقة؟
الحصانة في جوهرها ليست امتيازاً شخصياً، بل أداة قانونية وُجدت لحماية المسؤول من الكيدية والضغوط أثناء أداء مهامه. غير أن الغاية النبيلة من أي نص قانوني قد تفقد بريقها إذا شعر المواطن بأن المساءلة تتعثر عند أبواب أصحاب المناصب العليا. فالثقة العامة تشبه الزجاج الشفاف؛ تبنى ببطء، لكنها قد تتصدع سريعاً عندما تغيب الإجابات الواضحة عن الأسئلة الكبيرة.
وفي الآونة الأخيرة، تداول ناشطون وإعلاميون العديد من الملفات التي قيل إنها تتعلق بشبهات فساد أو تجاوزات إدارية ومالية، مدعومة – بحسب ما تم نشره – بوثائق وأوراق اعتبرها أصحابها أدلة تستوجب التحقيق والمتابعة. ومع مرور الوقت، بقيت أسئلة الرأي العام معلقة في الهواء كغيوم تنتظر المطر، دون أن تتضح بصورة كافية نتائج بعض تلك الملفات أو مصيرها النهائي أمام المواطنين.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز الدور الرقابي للجهات المختصة بمكافحة الفساد، ليس فقط من خلال فتح التحقيقات، بل عبر ترسيخ مبدأ الشفافية وإطلاع الرأي العام على ما يتم إنجازه ضمن حدود القانون. فمحاربة الفساد ليست مجرد شعارات ترفع، بل منظومة متكاملة من الإجراءات التي تجعل الجميع متساوين أمام القانون، مهما علت المناصب أو اتسعت دائرة النفوذ.
إن قوة الدولة لا تقاس بعدد القوانين التي تمتلكها، بل بقدرتها على تطبيقها بعدالة وحياد. وعندما يرى المواطن أن المساءلة تطال الجميع دون استثناء، وأن الحصانة لا تتحول إلى حصن منيع أمام العدالة، فإن الثقة بالمؤسسات تترسخ، ويصبح القانون سيفاً للحق لا يفرق بين مسؤول ومواطن، ولا بين صاحب نفوذ وصاحب حق.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينتظر إجابة عملية أكثر من كونه يحتاج إلى خطاب نظري: كيف يمكن تعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الرقابة والمساءلة؟ الجواب يبدأ من الشفافية، ويمر عبر المساءلة الحقيقية، وينتهي عند مبدأ راسخ مفاده أن حماية الدولة تكون بمحاسبة الفاسدين، لا بحماية الفساد.

