صراحة نيوز- د.عبد الفتاح طوقان
هناك لحظات في الحياة لا تُقاس بالسنوات، بل بما تتركه في القلب من أثر. ومن أكثرها ألماً ذلك اليوم الذي يكبر فيه الأبناء، ويحملون أحلامهم وحقائبهم، ويرحلون إلى مدن أو دول أخرى ليبدؤوا فصلاً جديداً من حياتهم، تاركين وراءهم بيتاً كان يوماً يمتلئ بأصواتهم وضحكاتهم وحضورهم الدافئ.
في تلك اللحظة، لا يغادر الأبناء المنزل فحسب، بل يغادر جزء من روح البيت معهم. تبقى الغرف كما هي، وتبقى الصور على الجدران، وتبقى الذكريات حاضرة في كل زاوية، لكن شيئاً ما يصبح مختلفاً. يصبح الصمت أكثر حضوراً، ويصبح الانتظار جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.
وما بين مشاعر الفخر بنجاح الأبناء واستقلالهم، وبين ألم الاشتياق والحنين إليهم، يعيش الآباء والأمهات تجربة إنسانية عميقة يصعب وصفها بالكلمات. فهم الذين أمضوا سنوات طويلة يحيطون أبناءهم بالرعاية والمحبة، يجدون أنفسهم فجأة أمام مرحلة جديدة عنوانها الدعاء والانتظار والشوق.
لكن الحقيقة التي ندركها متأخرين، والتي تحمل شيئاً من الحكمة وشيئاً من الألم، هي أننا مررنا بالتجربة نفسها يوماً ما. فقد تركنا نحن أيضاً آباءنا وأمهاتنا وإخوتنا وأخواتنا، وسافرنا وراء أحلامنا وأعمالنا وأسرنا الجديدة. كنا نعتقد حينها أننا نعيش بداية حياتنا، ولم نكن ندرك تماماً حجم الفراغ الذي تركناه خلفنا في قلوب أهلنا.
واليوم، عندما نعيش المشهد ذاته من الجهة الأخرى، وعندما ننتظر مكالمة من ابن أو ابنة، أو زيارة قصيرة بعد أشهر طويلة من الغياب، نفهم أخيراً ما كان يشعر به آباؤنا وأمهاتنا. نفهم حجم الحب الذي كانوا يحملونه لنا، وحجم القلق الذي كان يسكن قلوبهم، وكم كانت دموعهم التي أخفوها عنا صادقة وعميقة.
إنها سنة الحياة التي تتكرر جيلاً بعد جيل. يرحل الأبناء كما رحل آباؤهم من قبل، وتستمر رحلة الحياة، لكن المحبة تبقى الخيط الذي يربط القلوب مهما تباعدت المسافات وتغيرت الأمكنة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله في هذه المرحلة هو أن نحافظ على دفء الأسرة، وأن نجعل المسافات الجغرافية عاجزة عن هزيمة الروابط الإنسانية. فمكالمة صادقة، ورسالة محبة، وزيارة عائلية، وسؤال يومي بسيط، قد يكون لها أثر يفوق ما نتخيل في نفوس الآباء والأمهات.
فالأسرة ليست جدراناً وسقفاً يجمع أفرادها، بل قلوب تتسع لبعضها مهما ابتعدت، وذكريات تبقى حية مهما مر الزمن، ومحبة لا تعرف حدوداً ولا تعترف بالمسافات.
وفي النهاية، يبقى الشوق أجمل دليل على المحبة. ويبقى الأب والأم هما الوطن الأول الذي نحمله معنا أينما ذهبنا، وتبقى الأسرة هي الملاذ الذي نعود إليه مهما طال السفر.
أدام الله الآباء والأمهات، وحفظ الأحباب والإخوة والأخوات، وأبقى الألفة والمحبة بين أفراد الأسر جميعاً. ورحم الله من رحل منهم، وأطال في أعمار من بقي، وجمعنا دائماً على الخير والمودة. فمهما ابتعدت الأجساد، تبقى القلوب متجاورة، وتبقى الأسرة أعظم نعمة يمنحها الله للإنسان.
aftoukan@yahoo.com

