صراحة نيوز – بقلم د.ثروت المعاقبة
“لا تعترض….. صفق فقط .”
هذه ليست جملة فحسب، بل هي العقلية التي تقتل الأوطان قبل أن تقتل الحريات التي من المفترض أن تصان، فحين يصبح المطلوب من المواطن أن يبتلع صوته وأفكاره، ويغلق فمه للأبد دون نقاش، ويبارك كل قرار مهما كان ظالما له، فإننا لا نكون أمام إدارة، بل أمام مصادرة للكرامة الإنسانية التي هي أغلى ما يملكه الإنسان.
كم هو مؤلم أن يتحول المسؤول، الذي وجد لخدمة الناس وتيسير الأمور عليهم، أن يعتقد أن المنصب يمنحه حق البطش والتهديد، وأن السلطة رخصة لإسكات كل صوت مخالف لقراره. الأسوأ من الظلم هو أن يطلب من المظلوم أن يشكر ظالمه ويعتذر له، وأن يصفق لمن صادر حقه من الراحة والحديث، وأن يعتبر ذلك “ولاء” و”وطنية”.
ليس كل اعتراض يهين المسؤول، وليس كل ناقد عدوا له، وليس كل من يرفض الخطأ متآمرا، الوطن يتقدم بالنقد الذي يهدف للتحسين، وينهار بالتطبيل….. أما تحويل كل رأي مخالف إلى جريمة لا يمكن غفرانها، وكل صاحب كلمة إلى عدو لدود، فهو إعلان واضح عن الخوف من الحقيقة وعدم مجابهتها.
المسؤول الحقيقي لا يخشى السؤال والنقد، ولا يغضب من المقترحات، ولا يستخدم صلاحياته للانتقام من الضعفاء الذي يجب أن يحميهم، فالقوة ليست في القدرة على معاقبة من لا يملك حولا ولا قوة، بل في القدرة على تحقيق العدالة، وإنصاف المظلوم، واحترام القانون الذي وضع لتأسيس ركائز العدل.
أما من يجعل منصبه أداة لتصفية الحسابات، ويستخدم النفوذ لإرهاب الناس وتخويفهم، ويعتقد أن الكرسي سيبقى إلى الأبد، فعليه أن يتذكر أن المناصب زائلة لا محاله، وأن التاريخ لا يخلد أصحاب السلطة ولن يرحمهم، بل يخلد مواقفهم في كل لحظة…..وكثيرون كانوا يظنون أن أصوات الناس ستبقى مخنوقة للأبد، فإذا بهم يرحلون، ويبقى سجل أفعالهم شاهدا عليهم لآخر العمر.
إن تكميم الأفواه لا يصنع استقرارا في أي عمل، بل يؤجل الانفجار والسخط العام، وليعلم المسؤول أن تكميم أفواه الناس لا يمحو الحقيقة، بل يزيدها وضوحا للعيان. فالحق قد يتأخر قليلا ، لكنه لا يموت، والكلمة الصادقة قد تحاصر من كل الجهات، لكنها لا تهزم.
السلطة مسؤولية كبيرة، وليست امتيازا لأحد والنفوذ أمانة برقبة كل مسؤول، وليس سلاحا لترويع الضعفاء….. ومن يظن أن الناس خلقت لتصفق فقط، فقد أساء فهم معنى القيادة الناجحة، وأساء قبل ذلك فهم قيمة الإنسان .
ستظل الكلمة الحرة أقوى من كل محاولات إسكاتها مهما كان المسؤول مهيمنا، لأن الأوطان لا تبنى بالخوف والرعب، ولا تدار بالتخويف، وإنما تقوم على العدل والأمان، واحترام الإنسان، وحقه في أن يقول: “هذا خطأ وهذا صواب”… دون أن يخشى انتقاما…… فلا يوجد مؤسسة تدار بالخوف ولا عمل في أجواء الرعب والخوف والترهيب.

