صراحة نيوز – بقلم: المحامي حسام العجوري
دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان المحترم،
إن الدولة التي تؤمن بسيادة القانون لا تخشى الكلمة، ولا تواجه الرأي بالقيد، بل تواجهه بالحقيقة. فالإعلام الحر ليس خصماً للحكومة، وإنما شريك دستوري في الرقابة وكشف الخلل وصون المال العام.
لقد نص الدستور الأردني في المادة (15) على أن “تكفل الدولة حرية الرأي، ولكل أردني أن يعرب بحرية عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير وسائر وسائل التعبير، بشرط ألا يتجاوز حدود القانون، كما تكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر والإعلام.” وهذا النص الدستوري لم يأتِ ترفاً تشريعياً، بل ليؤكد أن حرية الإعلام إحدى ركائز الدولة الديمقراطية وسيادة القانون.
إلا أن المتابع يلحظ تزايداً ملحوظاً في الشكاوى الجزائية التي تتقدم بها بعض الوزارات والمؤسسات الرسمية ضد المواقع الإخبارية والصحفيين، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة: هل أصبحت الشكوى الجزائية هي الوسيلة الأولى للرد على النقد؟ وهل يتفق ذلك مع فلسفة الدستور الذي كفل حرية الصحافة والإعلام؟
وعلى سبيل المثال، ومنذ مطلع العام الحالي، تم تسجيل أكثر من (20) قضية ضد إحدى أبرز المؤسسات الإعلامية، ونحو (7) قضايا بحق أحد أبرز الصحفيين. فهل يعقل أن يبلغ عدد الملاحقات هذا الحد؟ وهل أصبحت الملاحقة القضائية وسيلة لمواجهة الرأي والنقد بدلاً من الحوار والرد بالحقائق؟ إن مجرد هذه الأرقام يفرض مراجعة جادة لنهج التعامل مع الإعلام، حفاظاً على المناخ الديمقراطي الذي كفله الدستور.
والأخطر من ذلك أن نسبة كبيرة من هذه القضايا تنتهي بقرارات عدم المسؤولية أو الحفظ أو البراءة، وهو ما يطرح سؤالاً قانونياً بالغ الأهمية: إذا كانت النتيجة النهائية هي عدم قيام الجريمة، فلماذا أُقيمت الدعوى أصلاً؟ ومن يتحمل كلفة هذا العبء على النيابة العامة والمحاكم والمال العام؟
إن الأصل في أي دائرة قانونية داخل مؤسسة رسمية أن تمارس دورها وفق أحكام القانون، وأن تقوم قبل تسجيل أي شكوى بإجراء التكييف القانوني الصحيح للوقائع، لأن التكييف القانوني هو حجر الأساس في العدالة الجزائية. أما اللجوء إلى القضاء دون التحقق من توافر أركان الجريمة، فإنه يؤدي إلى إشغال القضاء بقضايا لا تستوجب الملاحقة، ويهدر وقت القضاة وأعضاء النيابة العامة، ويحمّل الخزينة العامة نفقات كان بالإمكان تجنبها.
إن القضاء وُجد للفصل في الجرائم الحقيقية، لا ليكون وسيلة للرد على كل مقال ناقد أو تحقيق صحفي أو رأي إعلامي لا يروق لمسؤول. فالنقد الموجه لأداء المؤسسات العامة، متى كان قائماً على وقائع أو يدخل في إطار المصلحة العامة، يظل من صميم الدور الذي تحميه النصوص الدستورية والقانونية.
دولة الرئيس،
إن استمرار هذا النهج ينعكس سلباً على صورة الحكومة أمام المواطنين وأمام المجتمع الدولي، وقد يخلق انطباعاً بأن المؤسسات العامة تضيق بالنقد، رغم أن الحكومات الواثقة من أدائها لا تخشى الإعلام المسؤول، بل تعتبره شريكاً في الإصلاح ومحاربة الفساد.
ومن هنا، فإننا ندعو دولتكم إلى إصدار تعليمات واضحة للدوائر القانونية في جميع الوزارات والمؤسسات العامة، تقضي بعدم تسجيل أي شكوى ضد وسيلة إعلامية إلا بعد إعداد مذكرة قانونية تبين بوضوح النص القانوني المنطبق، وتوافر جميع أركان الجريمة، ووجود مصلحة قانونية حقيقية تستوجب تحريك الدعوى الجزائية، حفاظاً على هيبة القضاء، وترشيداً للإنفاق العام، وصوناً للحقوق والحريات التي كفلها الدستور.
فالإعلام الحر ليس عدواً للدولة… بل هو عين المجتمع التي تكشف الخلل قبل أن يتحول إلى فساد، ولسان المواطن الذي ينقل معاناته، وشريك في حماية الوطن.
دولة الرئيس… إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد الشكاوى المقدمة ضد الصحفيين، وإنما بقدرتها على تقبل النقد، واحترام الدستور، وصيانة حرية الإعلام باعتبارها إحدى أهم ضمانات دولة القانون والمؤسسات.

