صراحة نيوز – كتب أ.د. محمد الفرجات
يمر الشباب الأردني اليوم في مرحلة دقيقة تتطلب شجاعة في التشخيص قبل البحث عن الحلول. فالمشكلة لم تعد مجرد أرقام بطالة أو مؤشرات فقر، بل أصبحت شعوراً متزايداً لدى شريحة واسعة من الشباب بأن الطريق أمامهم غير واضح، وأن الانتقال من مرحلة التعليم إلى مرحلة الإنتاج والاستقرار أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
الشاب الأردني يسمع كثيراً عن الإنجازات والخطط والنجاحات، لكنه في الوقت ذاته يواجه واقعاً يومياً مليئاً بالتحديات: فرصة عمل محدودة، كلفة معيشة مرتفعة، صعوبة في امتلاك السكن، تأخر في تأسيس الأسرة، وتراجع القدرة على التخطيط للمستقبل.
وهنا تظهر فجوة خطيرة بين الخطاب والواقع؛ فالوطنية الحقيقية لا تُقاس بكمية الشعارات التي تُرفع، بل بقدرة الدولة والمجتمع على تحويل طاقات الشباب إلى إنتاج، وتحويل الموارد إلى فرص، وتحويل التحديات إلى مشاريع تنموية.
إن المبالغة في الحديث عن الإنجازات دون مواجهة الاختلالات لا تبني ثقة، كما أن تجاهل الإنجازات لا يخدم مسار الإصلاح. المطلوب هو توازن وطني يرى الواقع كما هو: الأردن يملك طاقات بشرية استثنائية، وموقعاً استراتيجياً، وموارد يمكن تطويرها، لكنه يحتاج إلى نموذج اقتصادي جديد يخرج من دائرة إدارة الأزمات المتكررة إلى صناعة المستقبل.
لقد أثبتت التجربة أن معالجة البطالة عبر برامج مؤقتة أو وظائف قصيرة الأمد لا تكفي، لأن المشكلة أعمق من مجرد توفير فرصة عمل؛ إنها تتعلق ببناء بيئة اقتصادية واجتماعية تجعل الشباب قادراً على الإنتاج والاستقرار وبناء حياة كريمة داخل وطنه.
من هنا تأتي الحاجة إلى رؤية وطنية مختلفة تعيد تعريف التنمية، ليس فقط عبر دعم المدن القائمة، بل عبر بناء مجتمعات اقتصادية جديدة قادرة على خلق الفرص من مكانها.
القرى الأردنية الإنتاجية الذكية
ورقة سياسات وطنية لبناء مستقبل الشباب الأردني وإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني
يطرح منتدى الابتكار والتنمية الأردني مبادرة:
“القرى الأردنية الإنتاجية الذكية”
كرؤية استراتيجية لإنشاء شبكة من المجتمعات الإنتاجية الذكية في الصحراء الأردنية، تحول المساحات غير المستغلة إلى محركات اقتصادية جديدة، وتمنح الشباب فرصة الانتقال من انتظار الوظيفة إلى المشاركة في صناعة الاقتصاد.
فالقرية الإنتاجية الذكية ليست مشروع إسكان، وليست تجمعاً سكانياً تقليدياً، بل منظومة حياة متكاملة تجمع بين:
– السكن الميسر.
– مناطق الإنتاج والصناعة.
– الزراعة الذكية.
– الصناعات التحويلية.
– الطاقة المتجددة.
– التدريب والتعليم التقني.
– الخدمات الصحية.
– البنية الرقمية.
– الاقتصاد الدائري.
الفكرة الأساسية أن الإنسان لا ينتقل إلى مكان جديد بحثاً عن وظيفة فقط، بل ينتقل إلى مجتمع يستطيع فيه أن يعيش ويعمل ويتعلم ويبني مستقبله.
الشباب في قلب الحل:
المشكلة الكبرى ليست أن الشباب لا يريدون العمل، بل أن الاقتصاد التقليدي لم يعد قادراً وحده على استيعاب طموحات الأجيال الجديدة.
لذلك يجب الانتقال من نموذج:
“ابحث عن وظيفة”
إلى نموذج:
“شارك في بناء اقتصاد جديد”
بحيث يصبح الشاب قادراً على أن يكون موظفاً، أو صاحب مشروع، أو منتجاً، أو مبتكراً ضمن منظومة اقتصادية متكاملة.
فالقرية الإنتاجية الواحدة لا تصنع وظيفة فقط، بل تصنع عشرات المسارات حولها:
المهندس، والطبيب، والمعلم، والفني، والمبرمج، والمزارع، والإداري، والمحاسب، والعامل في النقل والخدمات، وأصحاب المشاريع الصغيرة.
وهذا هو الفرق بين مشروع تشغيل مؤقت ومشروع بناء مجتمع منتج.
إعادة تشكيل الاقتصاد الأردني
تسعى المبادرة إلى خلق دورة اقتصادية جديدة من خلال:
– دعم الصناعات المحلية.
– زيادة القيمة المضافة للموارد الوطنية.
– تحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
– جذب الاستثمار.
– خلق أسواق جديدة.
– تقليل الاعتماد على الاستيراد في المجالات الممكنة.
– تعزيز قدرة الاقتصاد الأردني على مواجهة الأزمات العالمية.
فالاقتصاد القوي ليس فقط اقتصاداً يستهلك، بل اقتصاد ينتج ويبتكر ويضيف قيمة.
الصحراء ليست فراغاً… بل فرصة
لطالما نظرنا إلى الصحراء كمساحة بعيدة، بينما يمكن أن تكون جزءاً من الحل الوطني.
إن التخطيط الذكي للمواقع، ودراسة الموارد المائية، واستخدام تقنيات الزراعة الحديثة، والطاقة المتجددة، وإدارة المياه بكفاءة، يمكن أن يحول مناطق واسعة إلى منصات تنموية جديدة.
المستقبل لا يُبنى فقط بتوسعة المدن القائمة، بل أحياناً بإنشاء مدن ومجتمعات جديدة تحمل فكراً اقتصادياً مختلفاً.
الطريق إلى التنفيذ:
يبدأ المشروع عبر مراحل عملية:
– اختيار مواقع استراتيجية وفق دراسات اقتصادية وبيئية ومائية.
– إنشاء قرى نموذجية أولى.
– ربط كل قرية بميزة إنتاجية واضحة.
– بناء شراكات بين القطاع العام والخاص والمستثمرين والمؤسسات التنموية.
– التوسع التدريجي بناء على النتائج.
إن المطلوب اليوم ليس وعداً جديداً للشباب، بل مشروعاً يمنحهم سبباً حقيقياً للبقاء والبناء.
الشباب الأردني لا يحتاج فقط إلى مزيد من الخطابات، بل يحتاج إلى رؤية تفتح أمامه الطريق.
الوطنية الحقيقية هي أن يشعر الشاب أن وطنه قادر على منحه فرصة، وأن جهده يمكن أن يتحول إلى نجاح، وأن مستقبله لا يعتمد على انتظار وظيفة، بل على المشاركة في بناء اقتصاد جديد.
إن “القرى الأردنية الإنتاجية الذكية” ليست حلاً سحرياً لكل التحديات، لكنها تمثل انتقالاً في التفكير: من معالجة آثار الأزمة إلى بناء أسباب النهضة.
فالأوطان لا تُبنى فقط بما تملكه من موارد، بل بما تملكه من قدرة على تحويل الإنسان إلى قوة إنتاج.
والاستثمار الأكبر للأردن هو الإنسان الأردني.
عن منتدى الابتكار والتنمية الأردني:
منتدى الابتكار والتنمية الأردني منصة وطنية فكرية وتنموية تجمع الخبرات الأكاديمية والمهنية، وتهدف إلى ربط المعرفة العلمية بصناعة القرار، ودعم الأفكار الريادية، وطرح حلول مبتكرة في مجالات التنمية والاقتصاد والبيئة والتكنولوجيا، من خلال الحوار والشراكات والمبادرات الوطنية.

