صراحة نيوز- د. منى النحلاوي
إذا نظرنا إلى سن الأمل لدى المرأة وسن الإياس لدى الرجل من الناحية البيولوجية، فإننا أمام حقيقة علمية لا يمكن إنكارها. فالمرأة تشهد انخفاضاً في هرمون الإستروجين، بينما يمر الرجل بتراجع تدريجي في هرمون التستوستيرون. هذه التغيرات جزء طبيعي من دورة الحياة الإنسانية، وليست مرضاً ولا دليلاً على فقدان القيمة أو المكانة.
غير أن المشكلة لا تكمن في البيولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي يفسر بها المجتمع هذه التغيرات. فبينما تتعامل الطبيعة مع الأمر باعتباره مرحلة انتقالية في حياة الإنسان، يحوله الخطاب الاجتماعي أحياناً إلى أزمة هوية أو معيار للحكم على قيمة الفرد.
لقد ارتبطت صورة المرأة تاريخياً بقدرتها الإنجابية، حتى بدا وكأن أنوثتها تختزل في وظيفة بيولوجية واحدة. وعندما تتوقف هذه الوظيفة، يظهر خطاب اجتماعي ضمني يوحي بأنها فقدت جزءاً من قيمتها أو مكانتها، وكأن العمر يحمل تاريخاً لانتهاء الصلاحية. وهنا لا تواجه المرأة تغيراً هرمونياً فحسب، بل قد تواجه أزمة نفسية ناتجة عن نظرة المجتمع إليها أكثر مما هي ناتجة عن التغير البيولوجي ذاته.
إن اختزال قيمة المرأة في قدرتها على الإنجاب يفرض عليها عبئاً نفسياً كبيراً، ويدفع بعض النساء إلى السعي المستمر لاستعادة صورة اجتماعية يعتبرها المجتمع “المعيار الطبيعي”، بدلاً من تقبل هذه المرحلة بوصفها تحولاً طبيعياً من تحولات العمر.
وفي المقابل، لم يكن الرجل بعيداً عن ضغوط المجتمع، وإن اختلفت طبيعتها. فقد ربطت الثقافة السائدة قيمة الرجل بالقوة الدائمة والإنتاج المستمر والقدرة على السيطرة. ومع التقدم في العمر يصبح أي تراجع طبيعي مصدر قلق، ليس بسبب التغير البيولوجي نفسه، بل بسبب الخوف من فقدان الصورة التي رسمها المجتمع للرجل المثالي.
كما ساهمت بعض الخطابات التجارية والتسويقية الحديثة في تعزيز هذا القلق، عبر تصوير التراجع الطبيعي المرتبط بالعمر باعتباره تهديداً مباشراً للرجولة أو الكفاءة أو المكانة الاجتماعية، مما جعل الرجل أيضاً هدفاً لخطابات الخوف والاستهلاك.
وتقودنا هذه الرؤية إلى التساؤل الذي طرحته الفيلسوفة والكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار حول ما إذا كان التقدم في العمر يمثل قيداً أم تحرراً. فربما لا تكون هذه المرحلة خسارة بقدر ما هي انتقال إلى شكل آخر من أشكال الحرية.
فبالنسبة للمرأة قد يكون سن الأمل تحرراً من أعباء بيولوجية رافقتها لعقود طويلة، وانتقالاً إلى مساحة أوسع من الاستقلال وإعادة تعريف الذات بعيداً عن اختزالها في دور الإنجاب. وبالنسبة للرجل قد يكون سن الإياس فرصة للتحرر من عبء القوة المستمرة والسعي الدائم لإثبات الذات، والانتقال إلى مرحلة أكثر هدوءاً تقوم على الحكمة والتأمل والنضج الداخلي.
إن العادات والتقاليد لم تقيد المرأة والرجل بالطريقة نفسها، لكنها فرضت على كل منهما قيوداً مختلفة وبأثمان غير متكافئة. فقد همشت المرأة حين ربطت قيمتها بالخصوبة، بينما حاصرت الرجل داخل صورة القوة التي لا تضعف ولا تشكو. فالمجتمع كثيراً ما يسمح للمرأة بالتعب ولا يسمح للرجل بالخوف، ويمنح الرجل السلطة الظاهرة لكنه يحرمه أحياناً من التعبير عن هشاشته الإنسانية.
إن البيولوجيا تمنح الجسد فرصة لإعادة تشكيل نفسه وتخفيف بعض أعبائه مع التقدم في العمر، لكن الخطابات الاجتماعية السطحية تسارع إلى فرض قيود جديدة على هذه المرحلة، فتحرم المرأة من مرونتها الاجتماعية، وتمنع الرجل من التعبير عن ضعفه الطبيعي. والتحدي الحقيقي إذن لا يكمن في التغيرات الهرمونية ذاتها، بل في النظر إلى الإنسان بوصفه قيمة قائمة بذاتها، لا تختزل في إنتاجيته ولا في جسده. فالعمر ليس نهاية الصلاحية، بل بداية مرحلة جديدة من النضج الإنساني تتجاوز سلطة الجسد إلى رحابة الخبرة والحكمة.
وبرأيك عزيزي القارئ، هل للعمر انتهاء صلاحية؟ أم أننا واقعون تحت تأثيرات خطابية مفروضة؟
باحثة في القضايا الاجتماعية

