صراحة نيوز- كتب أ.د. محمد الفرجات
تدخل الساحة السياسية الأردنية مرحلة دقيقة مع اقتراب عودة الملك من إجازته الخاصة، وسط تساؤلات تتجاوز الشكل الحكومي إلى جوهر الاستقرار التنفيذي: هل تكون العودة مدخلًا لتشكيل حكومي جديد يعيد ضبط الإيقاع؟ أم يكتفى بتعديل محدود يعالج نقاط الارتباك دون المساس بالبنية القائمة؟ وفي قراءة أقرب إلى التشخيص الحيادي، تبدو كلفة التشكيل الشامل أعلى من عوائده في هذه اللحظة، قياسًا بحجم الملفات الاستراتيجية المفتوحة واستحقاقات الإقليم.
خلال الفترة الماضية، تراكمت ملفات ثقيلة أعادت اختبار قدرة الحكومة على إدارة التوازن بين الإصلاح، والشفافية، والقبول الشعبي، في ظل تصاعد النقاش العام حول الأداء والنتائج.
في مقدمة هذه الملفات، جاء قانون الضمان الاجتماعي الذي تعثّر في الوصول إلى صيغة توافقية قابلة للتمرير، نتيجة تباين واضح بين اعتبارات الاستدامة المالية من جهة، وهواجس اجتماعية واقتصادية من جهة أخرى، ما جعله ملفًا مؤجلًا بانتظار حسم سياسي أوسع.
في السياق ذاته، تصاعدت موجة انتقادات شعبية وإعلامية طالت عددًا من الوزراء، سواء بسبب تصريحات وُصفت بأنها غير موفقة أو مواقف أثارت جدلًا في الرأي العام، الأمر الذي انعكس على صورة الحكومة، وأعاد طرح سؤال إدارة الخطاب الرسمي وحدود تأثيره في لحظة سياسية مشحونة.
وفي ملف أكثر حساسية، سُجّل جدل واسع حول العطاءات والحوكمة، مع ما أُثير حول ارتباط أحد عطاءات النظافة بوزارة الصحة، وما تبعه من تطورات انتهت إلى إقالة وزير العمل في سابقة حكومية لافتة. والأهم أن هذه الإقالة جاءت والملك خارج البلاد، ما منح الحدث دلالة سياسية إضافية، وفتح تساؤلات حول آليات إدارة القرار داخل الدولة في لحظات الضغط، وحول درجة الانسجام داخل الفريق الحكومي.
هذا التطور لا يُنظر إليه كحادثة معزولة، بل كإشارة إلى خلل في حلقة شديدة الحساسية داخل منظومة العمل التنفيذي، حيث تتقاطع ملفات الشفافية، وتضارب المصالح، وسرعة اتخاذ القرار، في مساحة واحدة تؤثر مباشرة في مستوى الثقة العامة.
وفي سياق آخر، يُطرح ملف الجسور والمعابر مع الضفة الغربية كأحد التحديات المعقدة، نظرًا لتداخل الاعتبارات الأمنية مع البعد الإنساني والسياسي، ما كشف عن بطء نسبي في التنسيق داخل بعض المسارات التنفيذية.
أما على مستوى الإدارة المحلية، فقد تعثّر تمرير قانون الإدارة المحلية في صيغة تحظى بتوافق واسع، نتيجة تباين واضح بين المركز والبلديات، وبين الرؤية الإصلاحية ومتطلبات الواقع، ما أبقى الملف في دائرة النقاش دون انتقال إلى مرحلة الحسم التشريعي.
إلى جانب ذلك، تعثّر ملف الأمن الغذائي وواجه قطاع الزراعة مجموعة من الإشكالات التي انعكست على مستوى الأداء والاستقرار في هذا القطاع الحيوي، ما أضاف ضغطًا جديدًا على منظومة الأمن الاقتصادي والمعيشي.
كما سُجلت حالة من التعثر والتخبط، إلى جانب تراجع في بعض القرارات داخل وزارتي التعليم العالي والتربية والتعليم، شمل تعديلات متتابعة وتراجعًا عن قرارات سابقة، ما أثار تساؤلات حول ثبات السياسات التعليمية واتساقها.
وفي قطاع السياحة، ورغم توقف الحرب في إيران وما رافقه من توقعات بعودة الحركة تدريجيًا، لم تنجح الحكومة في إعادة تنشيط القطاع أو استعادة الزخم السياحي، ولم تنجح بعودة الطيران منخفض التكاليف الذي يعد متطلبا لتدفق الزوار. ونتيجة ذلك، بقيت مئات المنشآت السياحية متوقفة أو تعمل بشكل محدود، مع تسريح واسع لعمال ومقدمي خدمات في القطاع الخاص.
وتتعمق الصورة أكثر في بعض المناطق التي تعتمد بشكل شبه كامل على السياحة، حيث تعاني مدن وقرى مثل البترا ووادي رم ومادبا وجرش من ركود حاد، يصل في بعض الحالات إلى انعدام شبه تام للدخل لدى أسر تعتمد على السياحة كمصدر رزق أساسي. هذا الواقع يضع الأردن في مقارنة غير مريحة مع دول الجوار التي تشهد حركة سياحية نشطة وأعدادًا كبيرة من الزوار، ما يجعل ملف السياحة تحديًا تنمويًا مباشرًا لا يحتمل مزيدًا من التعثر.
إلى جانب ذلك، لم تنجح الحكومة في إحداث تحسن ملموس في عدد من الملفات المعيشية والاقتصادية الأساسية، إذ بقيت السياحة عند مستويات ضعيفة، واستمر الضغط في ملف البطالة والفقر دون تراجع واضح، كما ظل قطاع النقل يعاني من تحديات تشغيلية وخدمية، واستمر ملف العطش وشح المياه كأحد أكثر الملفات إلحاحًا على المواطن دون حلول جذرية ظاهرة. هذه الملفات مجتمعة عمّقت الشعور العام بأن الأثر التنفيذي على الأرض ما زال محدودًا مقارنة بحجم التوقعات.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الحكومة تدير في الوقت نفسه ملفات استراتيجية كبرى لا تحتمل عادةً إعادة تشكيل واسع في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشمل مشاريع بحجم الناقل الوطني للمياه، واتفاقيات التعدين وتطوير الموارد الطبيعية، وملفات تطوير آبار الغاز، إلى جانب مشاريع البنية التحتية الثقيلة في النقل والسكك الحديدية، وغيرها الكثير من الملفات الحيوية سياسيا وإقتصاديا وتنمويا.
هذه الملفات تتطلب استمرارية في القرار وتراكمًا في الخبرة التنفيذية أكثر من حاجتها إلى إعادة بناء الفريق من جديد.
كما أن السياق الإقليمي لا ينفصل عن هذه الحسابات، في ظل استمرار تداعيات الحرب على غزة، وما تفرضه من ضغط سياسي وإنساني متواصل، إضافة إلى التوترات المرتبطة بالتصعيد بين إيران وإسرائيل وانعكاساته المحتملة على الإقليم، إلى جانب تحديات أمن الحدود الشمالية، بما تحمله من اعتبارات أمنية واستراتيجية مباشرة على الدولة.
هذه التراكمات لا تبدو منفصلة، بل تعكس ضغطًا متزايدًا على الأداء الحكومي، وتضعه أمام اختبار مباشر في القدرة على إنتاج قرارات مستقرة، وتفادي الهزات التي تمس الثقة العامة.
ومن هنا، تكتسب لحظة عودة الملك من الإجازة الخاصة دلالتها السياسية، إذ يُعاد عندها فتح الملفات دفعة واحدة، وإعادة تقييم الخيارات المطروحة بدقة أعلى من المعتاد.
ففي تشخيص أقرب للواقعية السياسية، لا يبدو أن التوجه نحو تشكيل حكومي شامل هو الخيار الأقل كلفة في هذه المرحلة، بقدر ما يبدو أن التعديل المدروس، مع تعزيز الأداء في الملفات الحساسة، يمثل مسارًا أكثر اتساقًا مع حجم التحديات واستحقاقات المرحلة.
فالمعادلة ليست بين تغيير أو تثبيت فقط، بل بين كلفة إعادة التشكيل في ظرف إقليمي ضاغط، وبين كلفة الاستمرار مع تصحيح داخلي محسوب. وفي مثل هذه اللحظات، تميل الدول عادة إلى تثبيت الاستقرار التنفيذي مع رفع كفاءة الأداء بدل الدخول في إعادة إنتاج كاملة للحكومة.

