التمكين أم التكميم…؟

3 د للقراءة
3 د للقراءة
التمكين أم التكميم...؟

صراحة نيوز- بقلم: د. منى النحلاوي

كثيراً ما نسمع في المحافل الدولية والبرامج التنموية عن مصطلح “تمكين المرأة”، ذلك المصطلح الذي يُقدَّم بوصفه بوابةً نحو المساواة والعدالة وتحقيق الذات. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: هل حقق التمكين أهدافه الحقيقية، أم أنه أضاف إلى المرأة أعباءً جديدة تحت عناوين براقة وشعارات جذابة؟

لقد تسلل هذا المفهوم إلى مجتمعاتنا عبر خطابات ثقافية واقتصادية متعددة، حتى أصبح من المسلمات التي نادراً ما تخضع للنقد أو المراجعة. وفي خضم هذا الترويج الواسع، وجدت المرأة نفسها مطالبة بتحقيق النجاح المهني والاستقلال المادي، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بجميع أدوارها التقليدية داخل الأسرة والمنزل، وكأن المطلوب منها أن تنجح في جميع الجبهات دون أن يُعاد توزيع الأعباء بصورة عادلة.

ومن هنا أتذكر ما أشار إليه إدوارد سعيد في نقده للاستشراق، حين أوضح أن الاستعمار لا يرحل دائماً بخروجه من الأرض، بل قد يبقى داخل العقول من خلال الخطابات والأفكار التي يعاد إنتاجها جيلاً بعد جيل. فبعض المفاهيم تتسلل إلى الوعي الجمعي بهدوء، وتُقدَّم على أنها حقائق مطلقة أو مسارات وحيدة للتقدم، بينما تحمل في داخلها أبعاداً اقتصادية وثقافية أعمق مما تبدو عليه. لقد خرج المستعمر من الأرض، لكنه ترك خلفه خطاباتٍ قادرة على التأثير في الوعي والاختيارات والمشاعر بلغةٍ ناعمة وذكاءٍ اقتصادي بالغ.

ومن هذا المنطلق يحق لنا أن نتساءل: هل تم تقديم مفهوم التمكين بوصفه تحريراً كاملاً للمرأة، أم أنه استُخدم أحياناً بطريقة جعلت المرأة تؤدي أدواراً إضافية دون أن تتحرر فعلياً من أعبائها السابقة؟

لقد تحوّل مفهوم المساواة في بعض الأحيان من دعوة إلى العدالة إلى أداة تُستخدم بصورة انتقائية. فبدلاً من أن تخفف الأعباء عن المرأة، أصبحت تُحمَّل مسؤوليات إضافية، بينما يُطلب منها في الوقت نفسه أن تثبت قدرتها على المنافسة والإنتاج والإنجاز المستمر.

والأخطر من ذلك أن بعض الرجال وجدوا في هذا الخطاب ذريعة للتنصل من مسؤولياتهم التقليدية تحت شعار: “أنتِ تريدين المساواة، إذن تحملي الأعباء كما أتحملها أنا”. وهكذا أصبحت المرأة عالقة بين واجبات الماضي ومتطلبات الحاضر، تدفع ثمن المفهوم من جهتين في آن واحد.

إن المشكلة ليست في حق المرأة في التعليم أو العمل أو الإنجاز، فهذه حقوق أصيلة لا جدال فيها، وإنما في الطريقة التي يُطبق بها مفهوم التمكين عندما يتحول إلى مشروع يركز على الإنتاج الاقتصادي أكثر من تركيزه على تحقيق التوازن الإنساني والاجتماعي داخل الأسرة والمجتمع.

فهل حرر التمكين المرأة فعلاً؟ أم أنه نقلها من عبء واحد إلى عبئين؟ وهل حققت المساواة التوازن المنشود بين الجنسين، أم أنها خلقت فجوات جديدة وأشكالاً مختلفة من الضغوط والتوقعات؟

باحثة في القضايا الاجتماعية

شارك هذا المقال