صراحة نيوز – الأستاذ الدكتور باسم محمد ملحم
عميد كلية الحقوق – الجامعة الأردنية
في إطار المشروع الوطني الأردني الذي يقوده جلالة الملك عبدا لله الثاني ابن الحسين المعظم، رسخت الدولة الأردنية خلال العقود الماضية نموذجًا متقدمًا في الحماية الاجتماعية، انطلق من إيمان راسخ بأنّ الإنسان هو محور التنمية وغايتها، وأنّ العدالة الاجتماعية ليست مجرد التزام أخلاقي أو دستوري، بل ركيزة أساسية للاستقرار الوطني والتنمية المستدامة. وقد انعكس هذا التوجه في بناء منظومة مؤسسية متكاملة للحماية الاجتماعية، استطاعت رغم التحديات الاقتصادية والإقليمية المتعاقبة أن تحافظ على تماسك المجتمع وتعزّز قيم التضامن والتكافل بين أبنائه.
وفي هذا السياق، اضطلعت وزارة التنمية الاجتماعية بدور استراتيجي محوري في قيادة هذه المنظومة والإشراف على مؤسساتها وبرامجها المختلفة، بما مكّنها من تطوير أدوات التدخل الاجتماعي وتعزيز كفاءة الاستهداف والوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً في مختلف محافظات المملكة، ضمن نهج مؤسسي يقوم على التخطيط والحوكمة والتكامل بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للتنمية.
ويبرز صندوق المعونة الوطنية باعتباره أحد أهم الأذرع التنفيذية للدولة في مجال الحماية الاجتماعية؛ حيث أسهم بصورة فاعلة في ترجمة السياسات الاجتماعية إلى برامج ومبادرات ملموسة انعكست آثارها على مئات الآلاف من الأسر الأردنية. وقد نجح الصندوق في تطوير منظومة عمل تستند إلى قواعد بيانات حديثة وآليات استهداف متقدمة، بما عزز من كفاءة توجيه الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه وفق أسس العدالة والشفافية.
وتؤكد البيانات الرسمية الواردة في التقرير السنوي لصندوق المعونة الوطنية لعام 2024 حجم هذا الإنجاز المؤسسي؛ إذ بلغ عدد المعونات المقدمة ضمن برامج التحويلات النقدية الدورية (239,177) معونة استفاد منها ما يزيد على (1.1) مليون مواطن، فيما وصل عدد الأسر المنتفعة إلى نحو (235) ألف أسرة موزعة على مختلف أنحاء المملكة. كما تجاوزت قيمة المعونات الشهرية المقدمة (20.7) مليون دينار شهرياً، في حين تمول برامج الدعم النقدي الموحد والمعونات الشهرية بصورة كاملة من الموازنة العامة للدولة.
ولم تقتصر جهود الصندوق على البعد الرعائي التقليدي، بل امتدت إلى تبني مقاربات تنموية أكثر استدامة، تجسدت في برامج التمكين الاقتصادي والتشغيل والتدريب، حيث استفاد خلال عام 2024 ما مجموعه (1,740) مستفيدًا من برامج الربط بسوق العمل والتأهيل المهني. ويعكس هذا التوجه تطورًا مهمًا في فلسفة الحماية الاجتماعية الأردنية، القائمة على الانتقال التدريجي من إدارة آثار الفقر إلى معالجة أسبابه البنيوية، ومن الاعتماد على المساعدات إلى تعزيز فرص الإنتاج والاعتماد على الذات.
وإذا كانت هذه المؤشرات تعكس نجاحًا وطنيًا ومؤسّسيًا جديرًا بالتقدير، فإنّ القراءة الاستراتيجية للواقع الأردني تقتضي النظر إلى ما هو أبعد من إدارة الحاضر نحو التخطيط للمستقبل. فالتحديات الاقتصادية العالمية، والتحولات الديموغرافية، ومُتطلبات التنمية المستدامة، تفرض على جميع الدول إعادة التفكير في آليات تمويل منظومات الحماية الاجتماعية بما يضمن استمراريتها وقدرتها على الاستجابة للمتغيرات المستقبلية بكفاءة ومرونة.
ومن هذا المنطلق، فإنّ تطوير منظومة الحماية الاجتماعية في الأردن لا ينبغي أن ينحصر في توسيع نطاق الخدمات أو زيادة أعداد المستفيدين فحسب، بل يجب أن يمتد إلى تعزيز الاستدامة المالية للمؤسسات الاجتماعية وتنويع مصادر تمويلها، بما يرسخ قدرتها على مواصلة أداء رسالتها التنموية على المدى الطويل. فكلما اتسعت مسؤوليات الدولة الاجتماعية وتعاظمت احتياجات المجتمع، ازدادت أهمية بناء موارد مستدامة قادرة على دعم هذه الجهود وتعزيز مرونتها المالية.
ولعلّ ما يميز التجربة الأردنية أن التشريعات النافذة لم تنظر إلى المؤسسات الاجتماعية باعتبارها وحدات إنفاق محضة، وإنما منحتها أدوات قانونية تتيح لها تنمية مواردها وتعظيم الاستفادة من أصولها بما يخدم أهدافها الاجتماعية. ويشكل قانون صندوق المعونة الوطنية مثالاً واضحاً على هذا التوجه ؛ إذ نصت المادة (6/ج) من قانون الصندوق على أن ريع الأموال المنقولة وغير المنقولة للصندوق وإيراداته من استثمارها يعد مورداً مالياً من موارده، كما منحت المادة (8/ب) مجلس إدارة الصندوق صلاحية متابعة توفير الموارد المالية اللازمة والعمل على تنميتها، فيما نصت المادة (8/ج) على صلاحية إقرار الخطة العامة لاستثمار أموال الصندوق وتنميتها.
وتكشف هذه النصوص عن رؤية تشريعية متقدّمة تستند إلى مفهوم الدولة التنموية القادرة على الجمع بين الكفاءة الاجتماعية والاستدامة المالية، وهي رؤية يمكن البناء عليها ضمن إطار وطني أشمل تقوده وزارة التنمية الاجتماعية، يهدف إلى تطوير منظومة متكاملة لإدارة الأصول وتنمية الموارد واستثمارها وفق أفضل مُمارسات الحوكمة والشفافية وإدارة المخاطر.
وفي هذا الإطار، قد يكون من المناسب خلال المرحلة المقبلة دراسة إنشاء أطر مؤسسية متخصّصة تُعنى بإدارة الأصول الاجتماعية وتعظيم العوائد التنموية لها، وتطوير شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص والمؤسسات المالية وصناديق المسؤولية المجتمعية، بما يفتح آفاقاً جديدة لتمويل برامج التمكين الاقتصادي والتدريب والتشغيل والمبادرات التنموية الموجهة للفئات الأكثر احتياجاً.
ولا يعني هذا التوجه بأيّ حال من الأحوال إحلال الموارد الذاتية محلّ التمويل الحكومي، الذي سيبقى الركيزة الأساسية للحماية الاجتماعية في الأردن، وإنما يهدف إلى بناء مصادر دخل مساندة تعزز الاستقرار المالي للمؤسسات الاجتماعية وتمنحها قدرة أكبر على التوسع والتطوير والتكيف مع المستجدات الاقتصادية والاجتماعية المستقبلية.
إنّ ما حققته وزارة التنمية الاجتماعية ومؤسساتها الوطنية يمثل قصة نجاح أردنية تستحق التقدير والبناء عليها. غير أن المحافظة على هذا النجاح تتطلب الانتقال التدريجي من مفهوم إدارة الدعم إلى مفهوم تنمية الموارد، ومن الاستجابة للاحتياجات الآنية إلى التخطيط للاستدامة طويلة الأمد. فالدول التي تنجح في بناء منظومات حماية اجتماعية مستدامة ليست تلك التي توفر الدعم فحسب، بل تلك التي تمتلك القدرة على ضمان استمرارية هذا الدعم وتعزيز أثره التنموي عبر الأجيال.
ومن هنا، فإنّ المرحلة المقبلة تمثل فرصة وطنية مهمة لتعزيز التكامل بين الحماية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، وبناء نموذج أردني أكثر استدامة ومرونة، يجمع بين كفاءة الرعاية الاجتماعية وفاعلية الاستثمار التنموي، بما ينسجم مع الرؤية الملكية السامية في صون كرامة الإنسان الأردني، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وتعزيز منعة الدولة واستقرارها، وتحويل الحماية الاجتماعية من أداة للاستجابة للاحتياج إلى رافعة استراتيجية للتنمية الوطنية المستدامة.

