الخريجون القدامى… أعمار على قوائم الانتظار

4 د للقراءة
4 د للقراءة
الخريجون القدامى... أعمار على قوائم الانتظار

صراحة نيوز – محمد متعب احمد الفريحات

ثمة أوجاع لا تصنعها الحروب، ولا تتركها الكوارث، بل تنسجها سنوات الانتظار بصمت. أعوام تتراكم، وأحلام تؤجل، وشهادات تذبل فوق الرفوف، فيما يمضي العمر أسرع من أن ينتظر فرصة قد لا تأتي. تلك ليست حكاية فرد، بل قصة آلاف الخريجين القدامى الذين تحول انتظارهم من محطة عابرة إلى واقع ثقيل، يستهلك أعمارهم ويبدد أحلامهم.

المشاهد التي ظهرت فيها مجموعة من الخريجات خلال الأيام الأخيرة لم تكن استعراضا للعاطفة، بل شهادة موجعة على خلل يحتاج إلى مراجعة. وجوه أنهكتها سنوات الانتظار، وأصوات امتزج فيها الرجاء بالألم، وحكايات تختصر رحلة طويلة من الدراسة والاجتهاد والكفاح في مواجهة ضيق الحال وقسوة الظروف، على أمل أن يأتي يوم ينلن فيه فرصة هن أحق بها بجدارة.

كيف يمكن لخريج أمضى خمسة عشر عاما، وربما أكثر، ينتظر وظيفة، أن ينافس خريجا أنهى دراسته قبل أشهر بالمعايير نفسها؟ وأين هي العدالة إذا كانت سنوات الانتظار، والخبرات، والمؤهلات العليا، لا تجد مكانا حقيقيا في معادلة التنافس؟ إن المساواة بين حالتين مختلفتين ليست عدلا، بل قد تكون وجها آخر من وجوه الظلم.

لا أحد يعترض على مبدأ الكفاءة، ولا على حق الخريجين الجدد في فرص العمل. لكن العدالة تقتضي أن تكون هناك معايير تنصف الجميع، وأن تمنح السنوات التي ضاعت في الانتظار وزنا مستحقا داخل مصفوفة تنافس واضحة وشفافة، بحيث تصبح الخبرة، والمؤهل العلمي، وسنوات الانتظار، عناصر أساسية في احتساب النقاط، لا تفاصيل هامشية يمكن تجاوزها.

يزداد المشهد قسوة عندما نتذكر أن كثيرا من الخريجين القدامى درسوا في ظروف تختلف تماما عن واقع اليوم. المناهج تغيرت، والتقنيات تطورت، وأدوات التعليم تبدلت. لذلك فإن إخضاع الجميع لامتحان واحد بالمعايير نفسها، دون مراعاة الفوارق الزمنية والتعليمية، يثير تساؤلات مشروعة حول مدى تكافؤ الفرص، ويستدعي مراجعة تضمن عدالة المنافسة لا مجرد تنظيمها.

ومن بين القصص التي يصعب تجاوزها، قصة خريجة حصلت على معدل خمسة وثمانين، لكنه تحول بسبب خطأ في إدخال البيانات إلى ثمانية وخمسين. ليس مجرد رقم تغير، بل مستقبل كاد أن يتبدد بسبب خطأ إداري. حين تصبح الأحلام رهينة خطأ في سجل أو شاشة حاسوب، فإن القضية تتجاوز حدود الإجراء، وتمس ثقة الإنسان بالمؤسسات التي يُفترض أنها تصون حقوقه وتحمي مستقبله.
لقد آن الأوان لإعادة تقييم آليات التنافس، وإيجاد نظام أكثر إنصافا يعيد الاعتبار للخريجين القدامى، ويمنحهم ما يستحقونه من تقدير بعد سنوات طويلة من الانتظار. فالعدالة لا تتحقق بالشعارات، بل بسياسات توازن بين الكفاءة والإنصاف، وتمنح كل صاحب حق ما يستحقه وفق أسس واضحة وشفافة، تحفظ قيمة العلم، وتصون كرامة الإنسان، وتعزز الثقة بالمؤسسات.

الخريجون القدامى لا يطالبون بامتيازات استثنائية، ولا يسعون إلى إقصاء أحد. إنهم يطالبون بحق بسيط. أن تعترف المنظومة التعليمية والوظيفية بما بذلوه من جهد، وأن لا تتحول سنوات الصبر إلى عقوبة دائمة. فالوطن الذي يراهن على العلم لا يجوز أن يترك أبناءه يشيخون على قوائم الانتظار، ولا أن يجعل الشهادة بداية رحلة من الخيبة.

وما بين صرخة هؤلاء المنتظرين، وإنصاف يعيد إليهم الأمل، تقف العدالة وحدها قادرة على رد جزء من حقوقهم، إذا وجدت من يصغي إليها.

شارك هذا المقال