صراحة نيوز – بقلم: زياد فرحان المجالي – عمّان – تستحق تصريحات معالي وزير الصحة الدكتور إبراهيم البدور وقفة جادة، لما تحمله من رسالة واضحة بأن تطوير القطاع الصحي لا يبدأ من إنكار المشكلات، ولا من القفز فوق التحديات، بل من الاعتراف بها، والاستماع إلى الملاحظات، ثم العمل المؤسسي المنظم لمعالجتها.
حين يؤكد الوزير أن جميع الآراء والملاحظات ستؤخذ بعين الاعتبار، فإنه يضع أساسًا مهمًا لأي إصلاح حقيقي. فالقطاع الصحي ليس مجرد مبانٍ وأجهزة وتعليمات إدارية، بل منظومة واسعة ومعقدة، يعمل فيها آلاف الأطباء والممرضين والفنيين والإداريين، ويتعاملون يوميًا مع احتياجات المواطنين وضغوط العمل وتراكمات سنوات طويلة.
ومن خلال التجربة المباشرة مع مستشفيات وزارة الصحة ومراكزها الصحية، يلمس المواطن حجم الجهد الذي تبذله الكوادر الطبية والتمريضية والإدارية، رغم ما تواجهه من ضغط كبير ونقص في بعض الإمكانات وتزايد مستمر في أعداد المراجعين. وفي كثير من المواقع، نجد نماذج وطنية تعمل بصمت وإخلاص، وتقدم أقصى ما تستطيع لخدمة المرضى والحفاظ على كرامتهم وحقهم في العلاج.
وهنا تكمن أهمية الدعم المطلوب لمعالي الوزير وفريق الوزارة. فالإصلاح لا يمكن أن ينجح إذا بقيت القيادة تعمل وحدها، كما لا يمكن أن يتحقق إذا تحول النقاش العام إلى جلد متواصل للمؤسسات والعاملين فيها. المطلوب هو نقد مسؤول، يحدد الخلل، ويقترح الحل، ويشجع كل خطوة صحيحة بدل الاكتفاء بالتشكيك أو التعميم.
إن حديث الوزير عن الجهد الجماعي مع موظفي الوزارة يعكس فهمًا لطبيعة الإدارة الحديثة. فالوزير لا يستطيع تطوير المنظومة بقرار منفرد، كما أن أي خطة إصلاح لن تنجح من دون إشراك العاملين في الميدان، لأنهم الأعرف بتفاصيل المشكلات، والأقدر على تقديم الحلول الواقعية القابلة للتطبيق.
واللافت في خطاب الدكتور البدور أنه لم يلجأ إلى لغة الوعود السريعة، ولم يقدم صورة مثالية بعيدة عن الواقع، بل أقرّ بوجود معيقات ومشكلات، وأكد أن بعضها خضع للتحليل والمعالجة، فيما لا يزال الطريق يحتاج إلى عمل كبير ومتواصل. وهذه الصراحة لا تُحسب عليه، بل تُحسب له، لأنها تعني أن الوزارة تدرك حجم المسؤولية ولا تتعامل مع الملف الصحي بمنطق العلاقات العامة.
كما أن التدرج في معالجة المشكلات المتراكمة يمثل نهجًا عقلانيًا. فالأزمات التي امتدت لعقود لا يمكن حلها بين يوم وليلة، ولا بقرارات متعجلة قد تزيد المشهد تعقيدًا. المطلوب هو ترتيب الأولويات، والبدء بالملفات الأكثر إلحاحًا، وقياس النتائج، ومحاسبة المقصر، ومكافأة المجتهد، مع الحفاظ على استقرار الخدمة وعدم تحميل المواطن كلفة الإصلاح.
إن وزارة الصحة تضم جهازًا بشريًا كبيرًا يمثل ثروة وطنية حقيقية. وهذه الكفاءات تحتاج إلى بيئة عمل تحترم جهودها، وتمنحها الحوافز، وتوفر لها الأدوات اللازمة، وتفتح أمامها المجال للمشاركة في التطوير وصنع القرار. فنجاح الوزير من نجاح هذا الفريق، ونجاح الفريق ينعكس مباشرة على المواطن وعلى ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها.
ولذلك، فإننا نقف داعمين لمعالي وزير الصحة الدكتور إبراهيم البدور في كل خطوة تهدف إلى تجويد الخدمة، وتحسين واقع المستشفيات والمراكز الصحية، والاستماع إلى شكاوى المواطنين والعاملين، ومعالجة الاختلالات بمنهجية واضحة وشجاعة إدارية.
هذا الدعم ليس مجاملة شخصية، ولا شيكًا مفتوحًا، بل هو دعم لمشروع إصلاح يحتاج إلى الوقت والإرادة والتعاون. كما أنه دعوة في الوقت ذاته إلى الاستمرار في النزول إلى الميدان، والاقتراب من المرضى والكوادر، ومتابعة التنفيذ، وعدم السماح للروتين أو البيروقراطية بإبطاء الخطط أو تفريغها من مضمونها.
إن صحة المواطن مسؤولية وطنية عليا، والارتقاء بها يتطلب من الجميع أن يكونوا شركاء في الحل، لا مجرد متفرجين على المشكلات. وكل التحية والتقدير لمعالي الدكتور إبراهيم البدور، ولجميع العاملين في وزارة الصحة، الذين يحملون على عاتقهم واحدة من أثقل المسؤوليات وأكثرها اتصالًا بحياة الناس وكرامتهم.
فالإصلاح الحقيقي لا يصنعه الضجيج، بل تصنعه الإرادة، والعمل الجماعي، والاستماع الصادق إلى الميدان، وهي المعادلة التي نأمل أن تقود القطاع الصحي الأردني إلى مستوى أفضل يليق بالوطن والمواطن.

