صراحة نيوز- بقلم: زياد فرحان المجالي
ما زلت أستعيد ذلك المشهد وكأنه حدث بالأمس. كانت المنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها توترًا، وكانت الأراضي الفلسطينية تشهد انفجارات وأحداثًا أمنية متسارعة. في ذلك اليوم، أقلعت بنا طائرة مروحية من عمّان متجهة إلى قطاع غزة، ضمن وفد أردني رسمي أوفده جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، للقاء الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
كنت يومها المصور الإعلامي التلفزيوني المرافق للوفد، ولم أكن أنقل رواية سمعتها من أحد، بل كنت شاهدًا على رحلة سياسية ووطنية حملت في تفاصيلها رسالة الأردن ودوره القومي. ضم الوفد عددًا من كبار رجالات الدولة، وكان برفقته أيضًا السفير الفلسطيني، فيما كان الهدف احتواء أزمة معقدة وفتح باب الحوار في لحظة كانت فيها المنطقة تقف على حافة الانفجار.
في تلك الرحلة، لم أرَ الدكتور عوض خليفات مجرد وزير داخلية يؤدي واجبه الرسمي، بل رأيت رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ هادئًا في أحلك الظروف، متزنًا في قراره، مدركًا أن أمن الأردن واستقرار فلسطين ليسا ملفين منفصلين، بل قضية واحدة تتشابك فيها الجغرافيا مع التاريخ، والسياسة مع المسؤولية.
ولهذا، حين أتابع اليوم “المبادرة الوطنية” التي يقودها الدكتور عوض خليفات، لا أتعامل معها باعتبارها نشاطًا سياسيًا عابرًا أو تجمعًا موسميًا فرضته الأحداث، بل أراها امتدادًا طبيعيًا لمسيرة رجل آمن منذ عقود بأن قوة الأردن تبدأ من وحدته الداخلية، وأن حماية الدولة لا تكون بالشعارات، وإنما ببناء الثقة بين الدولة والمجتمع، والتمسك بالثوابت الوطنية.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية مضاعفة في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات عميقة، وفي وقت يتعرض فيه الشعب الفلسطيني في قطاع غزة لعدوان مستمر، وتتزايد فيه المشاريع التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية أو الالتفاف على حقوق شعبها. وفي مواجهة هذه التحديات، يصبح تعزيز الجبهة الداخلية الأردنية واجبًا وطنيًا لا يحتمل التأجيل.
وما يلفت النظر في المبادرة أنها لا تكتفي بالتأكيد على الثوابت الوطنية، ولا تقف عند حدود الدفاع عن الوصاية الهاشمية أو رفض مشاريع التهجير والوطن البديل، بل تفتح أيضًا نقاشًا مسؤولًا حول القضايا الداخلية التي تمس حياة المواطن، من العدالة وتكافؤ الفرص، إلى الفقر والبطالة، ومحاربة الفساد، وترسيخ سيادة القانون، لأن الدولة القوية لا تُبنى بالخطاب وحده، بل بالإصلاح والثقة والعمل.
لقد عرفت الدكتور عوض خليفات في الميدان قبل أن أعرفه في المنصب، ورأيته في لحظة كانت القرارات تُتخذ تحت ضغط الأحداث، لا تحت أضواء الكاميرات. ولذلك أكتب اليوم عن الرجل من موقع الشاهد، لا من موقع المادح، ومن باب التوثيق، لا المجاملة.
فالمناصب زائلة، أما رجال الدولة فيبقون بما يتركونه من أثر، وبما يقدمونه من مبادرات حين يصمت الآخرون، وبما يغرسونه من ثقة في نفوس الناس بأن هذا الوطن ما زال قادرًا على إنجاب رجال يحملون مسؤوليته بإخلاص وتجرد.
إن الأردن، وهو يواجه تحديات الداخل والإقليم، يحتاج إلى أمثال هؤلاء؛ رجال يؤمنون بأن الدولة أكبر من الأشخاص، وأن خدمة الوطن لا تنتهي بانتهاء المنصب، بل تبدأ من الإحساس العميق بالمسؤولية، وتستمر ما بقي في العمر متسع للعطاء.
هذه ليست مقالة إشادة، بل شهادة رجل إعلام رافق إحدى المحطات الوطنية، ورأى بعينيه كيف يُصنع القرار في اللحظات الصعبة، وكيف يظل رجل الدولة رجلًا للدولة، مهما تبدلت المواقع وتغيرت الأزمنة.
بقلم: زياد فرحان المجالي – عمّان
المبادرة الوطنية للدكتور عوض خليفات… شهادة في رجل دولة

