صراحة نيوز- عوض ضيف الله الملاحمة
كنا نعيش في عالمٍ بسيط ، بعيد عن التعقيد ، غير متسارع ، او تسارعه مقبول يمكن التعايش معه .
في العقود الأخيرة من القرن الماضي ، كان هناك تكنولوجيا ، وكان هناك تطور ، وكان لدينا سيارات حديثة متطورة ، واجهزة كهربائية ممتازة ، وكان لدينا كمبيوترات ، وهواتف محمولة ، وكان لدينا إنترنت ، وغير ذلك من وسائل الرفاهية والتكنولوجيا التي كنا في حالة إنبهار ونحن نقتنيها ونتعامل معها ، وتُقدم لنا خدمات جليلة . تختصر علينا الزمان ، وتوفر لنا الوقت ، وتقلل الجهد المبذول .
درجة إنبهارنا بها سببه مقارنة حالنا ونحن نستخدمها بأريحية ، مع حالنا في خمسينات وستينات القرن الماضي . حيث كان الواحد منا اذا ودّ الإلتقاء بقريبٍ او صديق يسكن في قرية ثانية ، يركب دابته ، ويقطع المسافات وهو يمتطيها لساعات ، وعندما يصل بيت الشخص المقصود ، ربما يجده — إذا كان حظه جيداً — وربما لا يجده اذا كان حظه سيئاً . وإذا لم يجده ، فهذا يعني ان مشواره الذي استغرق ساعات ذهاباً وإياباً ، قد ذهب دون نتيجة . عندها لا يكون أمامه الا إبلاغ عائلته ليخبروه ، وبأحسن الأحوال يطلب من عائلته ان يبلغوه بان يلتقوا في المدينه في اليوم ( الفلاني ) عند المسجد ، بعد صلاة الظهر مثلاً . ومن الطبيعي انه سيحضر في الموعد المحدد ، لكن احياناً يكون لديه ظروفاً قاهرة تمنعه من الحضور ، وهنا تزيد المعاناة ، وتمتد المدة ، ويعز ّاللقاء ، ويندر .
بينما الآن حتى التلفون الأرضي أصبح وسيلة متخلفة ، مع انه كان يخدم العائلة بأكملها ، وأحياناً يخدم عائلات او حيّ بأكمله . أما الآن فأصبح لكل شخص هاتفه الخاص ، يتأبطه ليل نهار ، والبعض يضعه تحت وسادته وهو نائم .
والآن دخلنا عالم الهواتف الذكية ( smart phones ) ، التي هي عالم بذاته ، بل تشعر ان العالم بين يديك ، وبمجرد عمل حركات ناعمة ، يربطك بأقاصي الأرض ، كما يمكن تحويله الى بنك ، او عيادة ، او وسيلة اعلامية متقدمة ومتطورة ، كما يمكن ان يلعب هذا الجهاز السحري دور المُخرج ، والمسرح ، والممثل ، بإختصار لا يمكن حصر إستخداماته وخدماته .
عندما أسمع ردود ( chat gbt ) على أسئلة الناس ، أُذهل ، وأشعر انني وأمثالي ممن بلغوا من العُمر عتيا ، أننا نعيش في عصر غير عصرنا ، وان هذا الزمان ليس زماننا وليس لنا . عندما أُشاهد الروبوتات ودقة حركاتها ، وإنضباطها ، وتنفيذها للأوامر ، أستغرب حدّ الذهول .
التطور التكنولوجي المتسارع جداً ، أذهل الناس ، بل أربكهم ، وغير أساليب حياتهم ، وأصبح من الصعب بل من المستحيل علينا التماشي معه ، ومسايرته ، حيث يصعب علينا إستيعاب تسارعه ، وتعقيداته .
أحياناً أُتابع فيديوهات عن مصانع السيارات الحديثة والشاحنات المؤتمتة ، تصوروا ان أحد مصانع الشاحنات الضخمة الحديثة يُنتج شاحنة كل ( ٢,٥ ) دقيقة ، مصنعاً من حديد ينتج شاحنات من حديد ، دون تدخل اليد البشرية ؟
بقدر ما يسعدنا ، بقدر ما يؤكد لنا اننا لا نعيش في زماننا ، بل اننا نعيش خارج هذا العصر .
سبحان الله ، عندما أتفكر ، وأتذكر كيف كنا ، وكيف أصبحنا ، يُلجم لساني عن التعبير ، وعقلي عن التفكير .
كان تعريف الأمية : من لا يُحسن القراءة والكتابة .
أما تعريف الأُمية الآن وفي هذا الزمان فهو شيء مُختلف تماماً .
وللتحديد هناك ثلاثة أبعاد رئيسية للأمية:—
١ )) الأمية الأبجدية ( الأساسية ) ( Illiteracy ) :— وهي عدم القدرة على قراءة وكتابة وفهم جملة بسيطة في الحياة اليومية .
٢ )) الأمية الرقمية ( Technological Illiteracy ) :— وتعني عدم القدرة على استخدام الأجهزة الذكية والإنترنت لإنجاز المهام الأساسية والتواصل بوعي وأمان .
٣ )) الأمية الوظيفية ( Functional Illiteracy ) :— وتعني القصور في توظيف مهارات القراءة والكتابة والتعلم لتطوير الذات ومواكبة متطلبات سوق العمل والحياة .
التكنولوجيا غيرت مفهوم الأُمية تماماً . من لا يُتقن إستخدام التكنولوجيا الحديثة إستخداماً مثالياً ، يُعتبر أمياً . في هذا الزمان : أنت متعلم بقدر تمكنك من التكنولوجيا الحديثة .

