صراحة نيوز -أ.د. حسن عبدالله الدعجه
أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
مستشار معهد الحزام والطريق بجامعة بكين
عضو المجلس العالم للدراسات الصينية
أثار الإعلان عن دراسة إدراج اللغة الصينية في المدارس الأردنية نقاشًا واسعًا، تراوح بين التأييد والرفض، ووصل في بعض الأحيان إلى السخرية عبر مقارنات مع لغات أخرى كالهندية والبنغالية والفلبينية. غير أن هذا الجدل يستدعي نقاشًا هادئًا يقوم على قراءة التحولات الدولية ومصالح الأردن الاستراتيجية، بعيدًا عن الانفعالات أو التصورات الخاطئة.
أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن الدعوة إلى تدريس اللغة الصينية لا تعني إطلاقًا الانتقاص من مكانة اللغة العربية أو منافستها. فاللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، والهوية الوطنية، والدستور، والثقافة، وستبقى الركيزة الأساسية للنظام التعليمي الأردني. إن تعلم لغة أجنبية إضافية لا يهدد اللغة الأم، بل يعزز قدرات الطالب المعرفية ويوسع آفاقه العلمية، تمامًا كما لم يؤد تدريس اللغة الإنجليزية طوال العقود الماضية إلى إلغاء العربية أو إضعاف مكانتها الرسمية.
إن العالم اليوم يعيش تحولات جيوسياسية واقتصادية وتكنولوجية غير مسبوقة، وأصبحت الصين واحدة من أهم القوى المؤثرة في النظام الدولي. فهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر دولة تجارية، وشريك اقتصادي رئيسي لأكثر من 150 دولة، وتقود مشاريع عالمية ضخمة في البنية التحتية والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتكنولوجيا المتقدمة. كما أصبحت الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات الصينية من أبرز المؤسسات المنتجة للمعرفة والابتكار على المستوى الدولي.
لقد تجاوزت اللغة الصينية كونها مجرد وسيلة للتواصل، لتصبح لغة للعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والأعمال. واليوم، تزداد الحاجة عالميًا إلى متخصصين يجيدون اللغة الصينية في مجالات التجارة الدولية والهندسة والطب والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي والدبلوماسية والسياحة والترجمة. ولذلك، بدأت العديد من الدول المتقدمة بإدخال اللغة الصينية إلى أنظمتها التعليمية إدراكًا لأهميتها المستقبلية.
أما المقارنة بين اللغة الصينية ولغات أخرى كالبنغالية أو الفلبينية او الهندية مع احترام وتقدير تلك الحضارات، فهي مقارنة تفتقد إلى الأساس العلمي والاستراتيجي. فاختيار اللغات في المناهج الوطنية لا يقوم على عدد المقيمين داخل الدولة، وإنما على الوزن الحضاري والعلمي والاقتصادي للدولة التي تمثلها تلك اللغة، ومدى تأثيرها في الاقتصاد العالمي وفرص العمل المستقبلية. ولهذا السبب تدرّس المدارس حول العالم الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية واليابانية والصينية، لأنها لغات ترتبط بقوى اقتصادية وعلمية كبرى، وليس لأنها الأكثر انتشارًا بين الجاليات المقيمة.
ومن الناحية الاقتصادية، تعد الصين اليوم أكبر شريك تجاري للعديد من دول العالم، كما أنها شريك اقتصادي مهم للأردن، حيث تشهد العلاقات الثنائية توسعًا مستمرًا في مجالات الاستثمار والطاقة والصناعة والبنية التحتية والتعليم العالي والتكنولوجيا. ومن الطبيعي أن يحتاج الأردن خلال السنوات المقبلة إلى كوادر وطنية تتقن اللغة الصينية للتعامل مع الشركات والمؤسسات الصينية، بدلاً من الاعتماد على مترجمين وخبرات أجنبية.
كما أن تدريس اللغة الصينية يفتح أمام الطلبة الأردنيين آفاقًا جديدة للمنح الدراسية، والتبادل الأكاديمي، والبحث العلمي، والتدريب في الجامعات والمؤسسات الصينية، التي أصبحت تحتل مواقع متقدمة في التصنيفات العالمية، خاصة في مجالات الهندسة، والطب، والعلوم التطبيقية، والذكاء الاصطناعي، وعلوم المواد، والاتصالات.
ولعل من أبرز ما يميز التجربة الصينية أنها لم تحقق نهضتها بالموارد الطبيعية فقط، بل بالاستثمار في الإنسان والتعليم والبحث العلمي والابتكار. فقد استطاعت الصين خلال العقود الأخيرة أن تحقق قفزات نوعية في التكنولوجيا المتقدمة، والفضاء، والقطارات فائقة السرعة، والحوسبة الكمية، والجيل الخامس والسادس للاتصالات، والروبوتات، والتصنيع الذكي، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، حتى أصبحت منافسًا عالميًا في معظم القطاعات التقنية المتقدمة.
إن تعريف الطلبة الأردنيين باللغة الصينية يتيح لهم أيضًا التعرف إلى حضارة تمتد لآلاف السنين، تقوم على قيم العمل والانضباط والتعليم واحترام المعرفة، وهي قيم إنسانية تسهم في بناء شخصية الطالب وتعزيز قدرته على فهم التنوع الثقافي والحضاري في العالم.
أما من يتساءل عن أولوية إصلاح التعليم، فإن هذا الطرح لا يتعارض مع إدخال اللغة الصينية. فإصلاح التعليم عملية شاملة تشمل تطوير المناهج، وتعزيز اللغة العربية، وتحسين مهارات القراءة والكتابة والتفكير النقدي، إلى جانب تحديث تعليم اللغات الأجنبية بما يخدم مصلحة الدولة. ولا يوجد أي تعارض بين تحسين مستوى العربية وإضافة لغة عالمية جديدة، بل إن الدول الأكثر تقدمًا هي التي تجمع بين الاعتزاز بلغتها الوطنية والانفتاح على لغات العالم.
ومن المهم أيضًا التأكيد على أن إدراج اللغة الصينية لا يعني فرضها على جميع الطلبة، بل يمكن تقديمها تدريجيًا كلغة اختيارية في مدارس محددة، وفق خطة وطنية مدروسة، مع إعداد المعلمين وتوفير المناهج المناسبة، وربط تدريسها بفرص التعليم العالي وسوق العمل، بما يحقق أعلى درجات الفائدة التعليمية والاقتصادية.
إن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ بالاستثمار في المعرفة. والأردن الذي عُرف دائمًا بتميز موارده البشرية بحاجة إلى إعداد جيل يمتلك أدوات المنافسة في الاقتصاد العالمي الجديد، ويستطيع التواصل مع مختلف مراكز القوة العلمية والاقتصادية في العالم. ومن هنا، فإن تعليم اللغة الصينية ليس انحيازًا لدولة على حساب أخرى، ولا هو تراجع عن مكانة اللغة العربية، وإنما هو قرار استراتيجي يعكس فهمًا عميقًا للتحولات الدولية، ويمنح أبناء الأردن فرصة أوسع للمشاركة في اقتصاد المعرفة العالمي.
فاللغة ليست مجرد كلمات تُحفظ، بل جسر نحو الحضارات، ومفتاح للعلم، وأداة لبناء المستقبل. وإذا أردنا لأبنائنا أن يكونوا شركاء في صناعة المستقبل، فعلينا أن نزودهم بلغاته، وأن نفتح أمامهم أبواب العالم، لا أن نغلقها.

