صراحة نيوز – كتب أ.د. محمد الفرجات
حين يتابع سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، الملف التنموي والاقتصادي للعقبة منذ سنوات، ويولي تفاصيل الخطط الاستراتيجية والتنفيذية اهتماماً مباشراً، فإن ذلك يعكس إدراكاً عميقاً لمكانة العقبة باعتبارها البوابة الاقتصادية للمملكة، ومنصة الاستثمار والسياحة والتجارة والصناعة، والمدينة التي يعول عليها كثيراً في تحقيق مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
غير أن نجاح أي مدينة اقتصادية يبدأ من أبسط مقومات الحياة والتنمية… الماء.
واليوم تقف العقبة أمام تحدٍ حقيقي يستحق الوقوف عنده قبل أن يتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.
فالخط الناقل لمياه الديسة إلى العقبة مضى على تشغيله ما يقارب خمسةً وأربعين عاماً، وهو يعمل منذ سنوات تحت ضغوط تشغيلية تتجاوز ما صُمم له في الأصل.
وخلال هذه العقود تضاعف عدد السكان مرات عديدة، حتى تجاوز اليوم نحو ربع مليون نسمة، فيما تضاعفت أيضاً الاحتياجات المنزلية والسياحية والصناعية والخدمية والعمرانية بصورة غير مسبوقة.
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها شركة مياه العقبة وكوادرها في إدارة الطلب، وتحسين التوزيع، وتقليل الفاقد، فإن المشكلة لم تعد مرتبطة بالإدارة، بل أصبحت مرتبطة بالبنية التحتية نفسها، التي وصلت إلى حدودها الفنية.
إن أي خبير في هندسة شبكات المياه يدرك أن خطوط النقل الكبرى لا تُقاس فقط بقدرتها الحالية، وإنما بعمرها التشغيلي، ومستوى المخاطر التي قد تتعرض لها نتيجة التقادم والتآكل والإجهاد المستمر. وكلما تقدم عمر الخط، ازدادت احتمالات الأعطال والتسربات والانقطاعات، وارتفعت كلفة الصيانة الطارئة، وأصبح الأمن المائي أكثر هشاشة.
ويضاف إلى تحديات التقادم عامل آخر لا يقل خطورة، يتمثل في المخاطر الطبيعية التي قد يتعرض لها الخط الناقل في بعض المقاطع التي تمر عبر مجاري الأودية، وفي مقدمتها وادي اليتم، الذي شهد عام 2006 سيولاً جارفة أحدثت أضراراً كبيرة في المنطقة.
ومع تزايد الظواهر الجوية المتطرفة المرتبطة بالتغير المناخي، تبقى احتمالية تعرض الخط لأضرار جسيمة أو لانقطاع الخدمة نتيجة الفيضانات والسيول قائمة، وهو ما قد يضع مدينة العقبة بأكملها أمام أزمة مائية مفاجئة تمس السكان، والقطاع السياحي، والمنشآت الصناعية، والميناء، والخدمات الحيوية.
وهنا تظهر أهمية الخط المعزز، ليس فقط لزيادة كميات المياه المنقولة، بل أيضاً لتوفير مسار استراتيجي بديل يضمن استمرارية التزويد عند حدوث أي طارئ، وهو مبدأ أساسي في إدارة المخاطر وحماية البنية التحتية الحيوية في المدن الاقتصادية.
ولذلك جاء قرار طرح مشروع الخط المعزز لمياه الديسة بطول يقارب 35 كيلومتراً، وبكلفة تقارب 20 مليون دينار، باعتباره مشروعاً استراتيجياً يهدف إلى رفع الاعتمادية، وتعزيز القدرة على تلبية الطلب المتزايد، وتأمين مصدر نقل إضافي للمياه.
غير أن تنفيذ المشروع توقف لاحقاً ضمن إدارة مالية رشيدة، بعد توجيه المخصصات لدعم مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر، وهو مشروع وطني عملاق يمثل أحد أهم الحلول الاستراتيجية لمشكلة المياه في الأردن.
ولا خلاف على أهمية مشروع التحلية، بل إنه يمثل نقلة تاريخية في الأمن المائي الوطني.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تستطيع العقبة الانتظار حتى يبدأ مشروع التحلية بضخ المياه فعلياً؟
ثلاث سنوات في مدينة تنمو بوتيرة متسارعة ليست زمناً قصيراً.
فهناك استثمارات جديدة، ومشروعات سياحية، وتوسعات صناعية، ونمو عمراني، وطلب متزايد على المياه عاماً بعد عام. وأي تعثر في تزويد المياه لا ينعكس على السكان فقط، بل يمتد أثره إلى الاستثمار، والسياحة، والصناعة، وثقة المستثمرين، وقدرة المنطقة الاقتصادية الخاصة على الاستمرار في جذب المشاريع الكبرى.
والأهم من ذلك أن تشغيل مشروع التحلية مستقبلاً لا يعني انتهاء الحاجة إلى الخط المعزز.
فعلى العكس تماماً، فإن وجود أكثر من مسار استراتيجي لنقل المياه يعد أحد أهم مبادئ الأمن المائي في المدن الاقتصادية الكبرى. فالاعتماد على خط واحد، مهما بلغت كفاءته، يمثل مخاطرة تشغيلية لا تتوافق مع طبيعة مدينة بحجم العقبة وأهميتها الوطنية.
إن الخط المعزز ليس مشروعاً بديلاً عن التحلية، ولا منافساً لها، بل هو مكمل لها، ويشكل مع مشروع التحلية منظومة متكاملة تضمن استدامة الإمداد المائي لعقود مقبلة.
ومن هنا، فإن إعادة طرح مشروع الخط المعزز أصبحت ضرورة وطنية، لا مجرد خيار هندسي.
ويمكن إنجاز ذلك من خلال شراكة ذكية تجمع بين سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وشركة تطوير العقبة، ووزارة المياه والري، والشركات الصناعية الكبرى المستفيدة من استقرار التزويد المائي، مثل شركات الفوسفات والبوتاس وغيرها، إضافة إلى المؤسسات والجهات الدولية الداعمة لمشروعات البنية التحتية والتنمية المستدامة.
فالكلفة، مهما بلغت، تبقى أقل بكثير من كلفة تعطل المياه عن مدينة تمثل الرئة الاقتصادية للأردن، وأقل من خسائر أي توقف في الاستثمار أو الصناعة أو السياحة.
إننا نضع هذه القضية أمام سمو ولي العهد، الذي يتابع تفاصيل تنمية العقبة، ويؤمن بأن التخطيط الاستباقي هو أساس النجاح.
ونثق بأن هذا الملف سيحظى بما يستحقه من اهتمام، لما يمثله من أهمية استراتيجية تمس حياة المواطنين، واستدامة التنمية، وتعزيز ثقة المستثمرين، وترسيخ مكانة العقبة كقاطرة للاقتصاد الوطني.
فالعقبة لا تطلب حلولاً إسعافية، وإنما استثماراً وقائياً يحمي مستقبلها.
وفي إدارة المدن الكبرى، لا تُقاس الحكمة بحل الأزمات بعد وقوعها، بل بمنع حدوثها قبل أن تبدأ.
واليوم، يبدو الخط المعزز لمياه الديسة أحد أهم القرارات الاستراتيجية التي تستحق أن ترى النور، لأن أمن العقبة المائي ليس مجرد ملف خدمي، بل هو ركيزة للأمن الاقتصادي الوطني، وضمان لاستمرار قصة النجاح التي يراد لهذه المدينة أن تكتبها خلال العقود المقبلة.

