صراحة نيوز – بقلم الدكتور محمد خالد العزام
ليست الحكومات الناجحة تلك التي تتقن فن الخطابة، ولا التي تملأ الشاشات بالمؤتمرات والتصريحات، وإنما تلك التي تترك بصمتها في حياة الناس. فالإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد الوعود، بل بعدد فرص العمل التي تُخلق، وبقدرة الدولة على تخفيف أعباء المعيشة، وتقليص الدين العام، وتحريك عجلة الاقتصاد نحو النمو والاستدامة.
وفي المشهد الأردني، يرى كثير من المراقبين أن الحكومة تبدو وكأنها تسير في دائرة مغلقة؛ تدور كثيرًا، لكنها لا تقترب من نقطة الإنجاز. فبدل أن تقدم برنامجًا اقتصاديًا واضح المعالم يعالج جذور الأزمة، ويضع أهدافًا قابلة للقياس لخفض المديونية، ومكافحة البطالة، وتحفيز الاستثمار، تبدو خطواتها، في نظر منتقديها، أقرب إلى إدارة الأزمات منها إلى صناعة الحلول.
إن الحكومة التي تبني المستقبل لا تنتظر الأزمات حتى تفرض إيقاعها، بل تستبقها برؤية واضحة وخطط مدروسة. أما الاكتفاء بردود الفعل، فهو أشبه بربّان سفينة ترك البوصلة جانبًا، وقرر أن يجعل الأمواج هي من ترسم له الطريق.
اليوم، لا يحتاج الأردن إلى المزيد من الشعارات أو العناوين البراقة، بل إلى مشروع اقتصادي وطني يعيد الثقة للمستثمر، ويمنح الشباب أملاً حقيقيًا، ويحوّل الطاقات المعطلة إلى قوة إنتاج، ويجعل من كل دينار يُنفق استثمارًا في المستقبل لا عبئًا يُضاف إلى كاهل الأجيال القادمة.
فالبطالة لا تُهزم بالتصريحات، والمديونية لا تنخفض بالوعود، والاستثمار لا يطرق أبواب الدول التي تغيب عنها سرعة القرار ووضوح الرؤية واستقرار السياسات. وما لم تتحول الخطط إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن، فإن الفجوة بين الخطاب والواقع ستظل تتسع.
لقد مُنحت الحكومات الوقت لتنفذ برامجها، لكن هذا الوقت يجب أن ينعكس على حياة الناس، لا أن يضيع بين اللجان والدراسات والتبريرات. فالمواطن لا ينتظر بيانات صحفية بقدر ما ينتظر فرصة عمل، وخدمة أفضل، وحياة أكثر استقرارًا.
الدولة بحاجة إلى حكومة تصنع الإنجاز قبل أن تصنع العناوين، وتبادر إلى اتخاذ القرار قبل أن تفرض الظروف قراراتها عليها. حكومة تجعل التنمية مشروعًا وطنيًا دائمًا، لا شعارًا موسميًا، وتقيس نجاحها بما تحققه على أرض الواقع، لا بما يُكتب في التقارير.
فالأوطان لا تُدار بمنطق البقاء في منطقة الأمان، ولا تُبنى بإدارة الوقت الضائع، وإنما تنهض بالإرادة، والرؤية، والقرار الجريء. والتاريخ لا يحفظ أسماء الحكومات التي بررت الإخفاق، بل يخلّد تلك التي امتلكت الشجاعة لتغيير الواقع، وحولت التحديات إلى فرص، والأزمات إلى محطات انطلاق نحو مستقبل أكثر ازدهارًا.

