تجربة الإمارات تؤكد نجاح الدبلوماسية الاقتصادية… فهل تتحول السفارات الأردنية إلى بوابات لجذب الاستثمار؟

5 د للقراءة
5 د للقراءة
تجربة الإمارات تؤكد نجاح الدبلوماسية الاقتصادية... فهل تتحول السفارات الأردنية إلى بوابات لجذب الاستثمار؟

‏صراحة نيوز – بقلم: المحامي حسام العجوري

في ظل المنافسة العالمية المتسارعة على جذب الاستثمارات الأجنبية، لم تعد قوة الدول تقاس فقط بمواردها الطبيعية أو حجم اقتصادها، بل أصبحت تقاس بقدرتها على تسويق نفسها للعالم، وإقناع المستثمر بأن أمواله ستكون أكثر أمانًا وربحية واستقرارًا فيها. ومن هنا برز مفهوم الدبلوماسية الاقتصادية، التي جعلت السفارات أدوات للتنمية الاقتصادية، لا مجرد بعثات تمارس العمل السياسي والبروتوكولي.

لقد أدركت العديد من الدول أن السفير لم يعد يقتصر دوره على تمثيل بلاده سياسيًا، بل أصبح سفيرًا للاستثمار والتجارة، يعمل على فتح الأسواق، واستقطاب رؤوس الأموال، وبناء العلاقات مع كبرى الشركات العالمية، وتحويل العلاقات الدبلوماسية إلى شراكات اقتصادية حقيقية.

وتعد تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة من أنجح النماذج في هذا المجال، إذ لم تبنِ مكانتها الاقتصادية بالحوافز الاستثمارية فقط، بل جعلت الدبلوماسية الاقتصادية جزءًا من استراتيجيتها الوطنية. فالسفارات الإماراتية تؤدي دورًا نشطًا في التواصل مع المستثمرين، وتنظيم المنتديات الاقتصادية، وزيارة الشركات العالمية، والترويج للفرص الاستثمارية، وبناء جسور التعاون بين القطاع الخاص والمؤسسات الحكومية، الأمر الذي أسهم في ترسيخ مكانة الإمارات كواحدة من أهم الوجهات الاستثمارية في المنطقة والعالم.

كما نجحت سنغافورة في توظيف بعثاتها الدبلوماسية لخدمة الاقتصاد الوطني، حيث عملت السفارات بالتنسيق مع الهيئات الاقتصادية على استقطاب الشركات العالمية، وتعزيز التجارة والاستثمار، حتى أصبحت الدولة مركزًا ماليًا ولوجستيًا عالميًا رغم محدودية مواردها الطبيعية.

أما كوريا الجنوبية، فقد جعلت من سفاراتها شريكًا مباشرًا في دعم الاقتصاد الوطني، من خلال فتح الأسواق أمام الشركات الكورية، وجذب التكنولوجيا والاستثمارات، والترويج للصناعات الوطنية، وهو ما كان أحد العوامل التي دعمت نهضتها الاقتصادية والصناعية.

أما الأردن، فإنه يمتلك مقومات استثمارية لا تقل أهمية؛ فهو ينعم بالاستقرار، ويتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يربط ثلاث قارات، ويرتبط باتفاقيات تجارة حرة مع العديد من الدول، ويملك كفاءات بشرية متميزة، وقطاعات واعدة في التعدين، والطاقة، والزراعة، والسياحة، والصناعات الدوائية، وتكنولوجيا المعلومات والخدمات اللوجستية.

إلا أن هذه الميزات تحتاج إلى تسويق اقتصادي احترافي في الخارج، لأن المستثمر لا يستثمر في الفرصة التي لا يعرفها، مهما كانت جودتها. ومن هنا يصبح السفير الأردني أول مسوّق للاقتصاد الوطني، يحمل معه ملفًا استثماريًا متكاملًا، ويزور كبرى الشركات، ويلتقي برجال الأعمال، وصناديق الاستثمار، والغرف التجارية، ويعرض عليهم الفرص المتاحة في الأردن، ويتابعهم حتى تتحول الفكرة إلى مشروع على أرض الواقع.

كما أن نجاح الدبلوماسية الاقتصادية لا يعتمد على السفير وحده، بل يحتاج إلى تكامل حقيقي بين وزارة الخارجية، ووزارة الاستثمار، ورئاسة الوزراء، وبقية الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة، لتوفير بيئة استثمارية مستقرة، وسرعة في اتخاذ القرار، وتبسيط الإجراءات، وحماية المستثمر، وتذليل العقبات ضمن إطار القانون.

ومن هنا، فإن الأردن بحاجة إلى استراتيجية وطنية تجعل الدبلوماسية الاقتصادية جزءًا من منظومة العمل الحكومي، بحيث تعمل جميع السفارات وفق أهداف واضحة وقابلة للقياس، تتكامل مع رؤية الدولة الاقتصادية.

ولكي تتحول الدبلوماسية الاقتصادية إلى نهج مؤسسي مستدام، لا بد من إدراج مؤشرات الأداء الاقتصادي ضمن التقييم السنوي لكل سفير، إلى جانب أدائه السياسي والدبلوماسي والقنصلي. فكما يُقيَّم السفير على نجاحه في إدارة العلاقات السياسية، ينبغي أيضًا أن يُقيَّم على جهوده في جذب الاستثمارات، وفتح الأسواق أمام الصادرات الأردنية، وبناء العلاقات مع كبرى الشركات العالمية.

كما أقترح إلزام كل سفير برفع تقرير كل ثلاثة أشهر إلى وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء ووزارة الاستثمار، يتضمن عدد اللقاءات التي عقدها مع المستثمرين، والزيارات التي قام بها إلى الشركات الكبرى، والفرص الاستثمارية التي روّج لها، والوفود الاقتصادية التي نسق لزيارتها إلى الأردن، والعقبات التي رصدها مع مقترحات معالجتها. فهذه التقارير ستوفر قاعدة معلومات تساعد الدولة على قياس الأداء، وتصحيح المسار، وتعزيز النجاحات.

إن الدبلوماسية الاقتصادية يجب أن تُقاس بالأرقام والنتائج، لا بعدد المناسبات الرسمية أو اللقاءات البروتوكولية. فكل استثمار جديد يعني فرص عمل جديدة، وزيادة في الصادرات، ونقلًا للتكنولوجيا، وتحريكًا لعجلة الاقتصاد الوطني.

لقد أثبتت تجربة الإمارات أن السفارة يمكن أن تكون بوابة للاستثمار، وأن السفير يستطيع أن يكون شريكًا في التنمية الاقتصادية، إذا مُنح الأدوات، وحددت له الأهداف، وقيس أداؤه وفق النتائج.

الأردن يمتلك كل المقومات ليحقق نجاحًا مماثلًا، وما يحتاجه اليوم هو تحويل كل سفارة إلى منصة اقتصادية فاعلة، وكل سفير إلى سفير للاستثمار، ليصبح جذب رؤوس الأموال وخلق فرص العمل جزءًا أصيلًا من رسالته الوطنية، وبذلك تتحول الدبلوماسية الأردنية إلى قوة اقتصادية تدعم النمو، وتعزز الثقة، وتفتح آفاقًا جديدة لمستقبل المملكة.

شارك هذا المقال