صراحة نيوز – بقلم الدكتور محمد خالد العزام
ليست القوانين أوراقًا تُرصّ في الأدراج، ولا نصوصًا جامدة تُولد بين جدران المكاتب، بل هي نبض الدولة حين يتصل بإرادة الناس، والمرآة التي تعكس مدى إيمانها بأن المواطن شريكٌ في القرار لا مجرد متلقٍ له. والقانون الذي ينجح في صناعة المستقبل هو ذلك الذي يفتح الأبواب أمام الكفاءات، لا الذي يشيّد حولها الأسوار.
ومسودة قانون الإدارة المحلية لعام 2026 جاءت وهي تحمل راية الإصلاح، وترفع شعارات الحوكمة والتحديث والكفاءة. غير أن بين السطور أسئلةً أكبر من الإجابات، وثغراتٍ قد تجعل سفينة الإصلاح تبحر ببوصلةٍ مضطربة؛ فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بكمية القيود، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين الإدارة الرشيدة والإرادة الشعبية.
فلا يمكن أن تُبنى الديمقراطية بسقفٍ منخفض، ولا أن تزدهر الإدارة المحلية إذا تحوّل المنتخب إلى شاهدٍ على القرار بدل أن يكون صانعه.
وأول ما يلفت النظر في المسودة هو اشتراط المؤهل الجامعي للترشح لرئاسة وعضوية بلديات الفئة الأولى، وكأن الشهادة أصبحت جواز المرور الوحيد إلى خدمة المجتمع. وهنا تقف العدالة التشريعية أمام سؤالٍ يصعب تجاوزه: كيف يُسمح للمواطن بأن يترشح لعضوية مجلس النواب، السلطة التي تشرّع القوانين وتراقب الحكومات، دون اشتراط شهادة جامعية، بينما يُمنع من الترشح لإدارة مجلس بلدي إلا إذا حمل مؤهلًا أكاديميًا؟
إن هذا التفاوت لا ينسجم مع منطق التشريع، ولا مع فلسفة المشاركة السياسية. فالوطن لا يُدار بالشهادات وحدها، بل بالعقول، والخبرة، والنزاهة، والقدرة على كسب ثقة الناس. فكم من قائدٍ صنعته الميادين قبل الجامعات، وكم من شهادة بقيت حبيسة الأطر المعلقة على الجدران.
ولذلك فإن التصويب الأكثر عدالة يتمثل في اعتماد شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها حدًا أدنى للترشح، مع إخضاع جميع الفائزين، دون استثناء، لبرامج تدريبية إلزامية ومكثفة في الإدارة المحلية، والحوكمة، والإدارة المالية، قبل تسلم مهامهم. فالتدريب يصنع الكفاءة، أما الإقصاء فلا يصنع إلا فجوة بين المواطن والدولة.
وفي جانب آخر، تبدو المسودة وكأنها تنقل مركز الثقل من الإرادة المنتخبة إلى الإدارة المعينة، بعدما منحت المدير التنفيذي صلاحيات واسعة جعلته القائد الفعلي للمؤسسة البلدية، بينما تراجع دور رئيس البلدية المنتخب إلى حدود رسم السياسات والمتابعة.
إن البلدية ليست شركة خاصة يديرها مدير عام، بل مؤسسة ديمقراطية تستمد مشروعيتها من صندوق الاقتراع. وإذا أصبحت مفاتيح القرار التنفيذي كلها بيد الموظف المعيّن، فإن الانتخابات ستتحول إلى موسمٍ للصور والخطابات، بينما يبقى القرار الحقيقي بعيدًا عن يد من اختاره الناس.
ولهذا فإن إعادة التوازن بين الطرفين ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة دستورية وإدارية، بحيث تبقى الرقابة الإدارية محفوظة، دون أن تُفرغ الولاية الشعبية من مضمونها، وأن تصبح أوامر الصرف الكبرى والمشروعات الاستثمارية خاضعة لموافقة المجلس البلدي المنتخب والتوقيع المشترك، حمايةً للمال العام، وترسيخًا لمبدأ الشراكة في القرار.
أما مجالس المحافظات، فما زالت المسودة تدور في الحلقة ذاتها؛ إذ يبقى المجلس التنفيذي هو من يضع الخطط ويعد الموازنات ويحدد الأولويات، بينما يُترك لمجلس المحافظة دور المصادقة أو الاعتراض. إنها معادلة تجعل المنتخب مسؤولًا أمام الناس عن قرارات لم يصنعها، وتجعل التنمية أسيرة المركزية وإن ارتدت ثوب اللامركزية.
فاللامركزية ليست اسمًا يُكتب في عنوان القانون، بل روحٌ تُوزَّع بها الصلاحيات، ويُمنح فيها القرار لمن يتحمل مسؤوليته أمام المواطنين.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء وحدة فنية وتنموية مستقلة تتبع مباشرة لمجلس المحافظة، تمتلك القدرة على مراجعة الدراسات الفنية والكلف المالية للمشروعات، حتى يصبح القرار التنموي مبنيًا على المعرفة لا على الاحتكار الإداري.
وفي محور التخطيط الحضري، تبدو الطموحات كبيرة، إذ تُلزم المسودة جميع البلديات بإعداد منظومات متقدمة من الخطط الحضرية والاستراتيجية والرقمية. وهي خطوة تستحق الإشادة من حيث المبدأ، لكنها قد تتحول إلى عبء ثقيل على البلديات الصغيرة التي لا تمتلك كوادر متخصصة ولا بنية رقمية ولا قواعد بيانات مكتملة.
فالعدالة لا تعني أن نضع الجميع على خط بداية واحد، بينما تختلف إمكاناتهم ومساراتهم. والنجاح الحقيقي يكمن في التدرج، ومنح البلديات الوقت والدعم الفني والمالي لبناء قدراتها قبل إلزامها بمتطلبات تفوق إمكاناتها.
إن الإصلاح لا يولد من رحم النصوص وحدها، بل من قدرتها على ملامسة الواقع. والقانون الذي يُغلق الأبواب أمام أصحاب الخبرة الشعبية، ويُضعف صلاحيات المنتخب، ويُبقي القرار التنموي في قبضة الإدارة المركزية، يحتاج إلى مراجعة هادئة وشجاعة قبل أن يصبح نافذًا.
ولعل أبرز التعديلات التي تعزز قوة القانون وعدالته تتمثل في:
توحيد شرط المؤهل العلمي ليصبح شهادة الثانوية العامة أو ما يعادلها لجميع المرشحين، مع تدريب إلزامي قبل مباشرة العمل.
إعادة رسم التوازن بين المدير التنفيذي ورئيس البلدية بما يحفظ هيبة الإدارة ولا ينتقص من الولاية الشعبية.
منح مجالس المحافظات دورًا فعليًا في إعداد الخطط والموازنات، لا الاكتفاء بالموافقة عليها.
إنشاء وحدات فنية مستقلة لدعم القرار والرقابة الفنية والمالية.
تطبيق متطلبات التخطيط الحضري والتحول الرقمي بشكل تدريجي يتناسب مع قدرات البلديات المختلفة.
ختامًا…
إن القوانين العظيمة لا تُعرف بعدد موادها، بل بقدرتها على صناعة الثقة. وما أحوجنا اليوم إلى قانون إدارة محلية يكون جسرًا بين الدولة والمواطن، لا حاجزًا بينهما؛ قانونٍ يزرع الكفاءة دون أن يقتلع المشاركة، ويعلي شأن العلم دون أن ينتقص من قيمة التجربة، ويمنح الإدارة قوة التنفيذ دون أن يسلب الشعب حقه في صناعة القرار.
بقلم الدكتور محمد خالد العزام
فالأوطان لا تبنيها النصوص وحدها، وإنما يبنيها التوازن؛ والتوازن هو العدالة حين ترتدي ثوب القانون.

