تحلية السفن… الخيار الوطني العاجل لتحرير مياه الديسة وتعزيز الأمن المائي الأردني

8 د للقراءة
8 د للقراءة
تحلية السفن... الخيار الوطني العاجل لتحرير مياه الديسة وتعزيز الأمن المائي الأردني

صراحة نيوز- كتب: أ.د. محمد الفرجات

لم تعد أزمة المياه في الأردن قضية خدمية أو موسمية، بل أصبحت تحدياً وجودياً يمس الأمن الوطني بمختلف أبعاده. فالمملكة تمر بمرحلة غير مسبوقة من الجفاف، مع تراجع واضح في الهطل المطري، وانخفاض كميات المياه المخزنة في السدود، واستمرار استنزاف الأحواض الجوفية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات السكانية والصناعية والزراعية والسياحية بوتيرة متسارعة.

وتشير المؤشرات إلى أن معظم السدود الرئيسية سجلت خلال المواسم الأخيرة نسب تخزين متدنية، بينما تواجه الخزانات الجوفية ضغوطاً متزايدة نتيجة الضخ المستمر لعقود طويلة، ولم يبق سوى حوض الديسي العميق الذي أصبح يتحمل العبء الأكبر لتزويد أجزاء واسعة من المملكة بالمياه، وهو مورد استراتيجي يجب الحفاظ عليه وعدم استنزافه.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد السؤال: كيف نؤمن المزيد من المياه؟ بل أصبح: كيف نحافظ على ما تبقى من مواردنا الاستراتيجية؟

العقبة… المدينة الوحيدة التي تمتلك البحر وتعتمد على المياه الجوفية

تمثل العقبة مفارقة مائية فريدة؛ فهي المدينة الأردنية الوحيدة المطلة على البحر الأحمر، ومع ذلك تعتمد بصورة رئيسية على مياه الديسة المنقولة عبر خط يزيد عمره التشغيلي على أربعة عقود، ويعمل تحت ضغوط تشغيلية متزايدة.

ومع النمو السكاني، والتوسع العمراني، وازدياد النشاط الصناعي والسياحي، ترتفع الحاجة إلى المياه عاماً بعد عام، بينما يبقى الاعتماد على مصدر واحد وخط نقل رئيسي واحد يمثل نقطة ضعف استراتيجية، خصوصاً في ظل أخطار التقادم الفني، والسيول، والتغيرات المناخية، واحتمالية تعطل الخط لأي سبب فني أو طبيعي.

إن استمرار هذا النموذج يعني بقاء العقبة، وهي العاصمة الاقتصادية للمملكة، رهينة لمصدر مائي بعيد ومعرض للمخاطر، رغم وجود مصدر مائي لا ينضب على شواطئها.

تحلية السفن… الحل الأسرع والأكثر واقعية

في هذا السياق تبرز مبادرة البروفيسور إلياس سلامة، القائمة على استقدام سفن تحلية عائمة، باعتبارها أحد أكثر الحلول واقعية وسرعة في التنفيذ.

وتعتمد هذه السفن على تقنية التناضح العكسي (Reverse Osmosis)، وهي التقنية الأكثر انتشاراً عالمياً لتحلية مياه البحر، حيث تضم السفينة محطة متكاملة لسحب المياه، ومعالجتها، وتحليتها، ثم ضخ المياه المنتجة مباشرة إلى الشبكات الساحلية.

وأهم ما يميز هذا الخيار أنه لا يحتاج إلى سنوات طويلة من الإنشاءات المدنية، بل يمكن تشغيله خلال عدة أشهر بعد التعاقد، مع إمكانية زيادة أو تقليل الطاقة الإنتاجية بحسب الحاجة.

هل هذه السفن متوافرة عالمياً؟

الإجابة نعم.

يوجد اليوم عدد من الشركات العالمية التي تمتلك أو تؤجر محطات تحلية عائمة أو وحدات تحلية بحرية متنقلة، كما توجد سفن يمكن تحويلها خلال فترة قصيرة إلى محطات تحلية عائمة.

وقد استخدمت هذه التقنية أو تقنيات مشابهة في عدد من الدول التي واجهت أزمات مائية أو احتياجات طارئة، منها المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وسنغافورة، واليونان، وأستراليا، وعدد من الجزر والدول الساحلية.

وتتراوح الطاقة الإنتاجية للوحدة الواحدة غالباً بين 50 ألفاً و150 ألف متر مكعب يومياً، مع إمكانية تشغيل أكثر من سفينة في الموقع نفسه عند الحاجة.

وبالنسبة للعقبة، فإن إنتاجاً بحدود 70–100 ألف متر مكعب يومياً يمكن أن يغطي جانباً كبيراً من احتياجات المدينة الحالية، بينما يوفر إنتاج أكبر هامشاً للنمو المستقبلي.

كم تبلغ كلفة المياه المحلاة؟

شهدت كلفة التحلية انخفاضاً كبيراً خلال العقدين الماضيين نتيجة تطور الأغشية وتحسن كفاءة استهلاك الطاقة.

وتتراوح كلفة إنتاج المتر المكعب في مشاريع التحلية الحديثة عالمياً بين نحو 0.5 و1.0 دولار أمريكي بحسب أسعار الطاقة، وجودة المياه، وحجم المشروع، وهو ما يجعلها خياراً منافساً عند احتساب الكلفة الحقيقية لنقل المياه لمسافات طويلة وصيانة الخطوط وفاقد المياه ومخاطر الانقطاع.

ومع استخدام الطاقة المتجددة مستقبلاً يمكن أن تنخفض الكلفة التشغيلية بصورة أكبر.

المكسب الوطني الحقيقي… تحرير مياه الديسي

تكمن القيمة الاستراتيجية الكبرى للمشروع في أنه لا يوفر المياه للعقبة فقط، بل يحرر الكميات التي تستهلكها المدينة حالياً من مياه الديسي.

وهذه المياه يمكن إعادة توزيعها على محافظات المملكة التي تعاني عجزاً متزايداً، وفي مقدمتها عمان، والزرقاء، والبلقاء، والمفرق، وأجزاء من الكرك والطفيلة، الأمر الذي يرفع مستوى الأمن المائي الوطني دون حفر آبار جديدة أو استنزاف إضافي للخزانات الجوفية.

وبذلك تتحول العقبة من مستهلك رئيسي للمياه الجوفية إلى مدينة تعتمد على البحر، بينما يستفيد باقي الأردن من المياه المحررة.

العوائد الاقتصادية

لا يقتصر أثر المشروع على الجانب المائي، بل يمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله.

فاستقرار التزويد المائي يعني حماية القطاع السياحي، وضمان استمرار الصناعات الكبرى، ودعم التوسع العمراني، وتعزيز ثقة المستثمرين، ورفع القيمة الاستثمارية للعقبة، وتقليل المخاطر التي قد تؤثر في الميناء والمنطقة الاقتصادية الخاصة.

كما أن المشروع يخلق فرص عمل، ويعزز نقل التكنولوجيا، ويمكن أن يشكل نواة لصناعة أردنية في تشغيل وإدارة محطات التحلية مستقبلاً.

كلفة التردد أعلى من كلفة التنفيذ

في المقابل، فإن كلفة عدم اتخاذ القرار قد تكون أكبر بكثير.

فأي انقطاع طويل في مياه العقبة سيؤدي إلى خسائر اقتصادية مباشرة في السياحة، والصناعة، والموانئ، والخدمات، إضافة إلى ارتفاع كلف النقل الطارئ للمياه، وتراجع ثقة المستثمرين، وربما تأجيل مشاريع تنموية بمئات الملايين من الدنانير.

كما أن استمرار الاعتماد الكامل على الديسي يعني استمرار استنزاف أحد أهم المخزونـات المائية الاستراتيجية في المملكة، وهو مورد غير متجدد على المدى الزمني القريب.

إن المخاطر هنا ليست نظرية، بل هي مخاطر تشغيلية واقتصادية وأمنية يجب التعامل معها بمنطق إدارة المخاطر، لا بمنطق انتظار الأزمة.

توصيات عملية

إن المرحلة الحالية تستدعي اتخاذ حزمة من الإجراءات المتوازية، تشمل:

– إطلاق دراسة وطنية عاجلة لتقييم استقدام سفن تحلية إلى العقبة خلال فترة لا تتجاوز عدة أشهر.
– طرح عطاء دولي لاستئجار أو شراء وحدات تحلية عائمة بطاقة تتناسب مع احتياجات المدينة الحالية والمستقبلية.
– اعتماد التحلية البحرية كمصدر رئيس للمياه في العقبة، مع إعادة تخصيص مياه الديسي للمحافظات الأخرى.
– الاستمرار في تنفيذ مشروع الناقل الوطني باعتباره الحل الاستراتيجي طويل الأمد، مع اعتبار التحلية العائمة جسراً زمنياً يضمن الأمن المائي حتى اكتماله.
– إعادة إحياء مشروع الخط المعزز لمياه الديسي ليكون مساراً احتياطياً واستراتيجياً ضمن منظومة إدارة المخاطر.
– إعداد خطة مستقبلية لتحويل محطات التحلية إلى العمل بالطاقة الشمسية، بما يخفض الكلف التشغيلية ويعزز الاستدامة.

كلمة أخيرة

إن الدول لا تنتظر وقوع الأزمات لتتحرك، بل تبني خياراتها الاستراتيجية قبل أن تصبح الحاجة إليها ملحة.

والأردن اليوم يقف أمام فرصة تاريخية لتحويل العقبة إلى أول مدينة أردنية تعتمد بصورة رئيسية على مياه البحر، وتحرير مياه الديسي لتخدم ملايين المواطنين في باقي المحافظات، مع حماية المخزون الجوفي، وتعزيز الاستثمار، ورفع مستوى الأمن المائي الوطني.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن تحلية البحر لم تعد خياراً استثنائياً، بل أصبحت أحد أعمدة الأمن المائي في الدول الجافة.

أما بالنسبة للأردن، فإن كلفة تنفيذ المشروع، مهما بلغت، تبقى أقل بكثير من كلفة التأخر في اتخاذ القرار، لأن أثمان العطش، وتعطل التنمية، واستنزاف الموارد الاستراتيجية، لا تُقاس بالأرقام فقط، بل تُقاس بأثرها على مستقبل الدولة وأمنها واستقرارها.

شارك هذا المقال