من هو السارق الحقيقي؟

2 د للقراءة
2 د للقراءة
من هو السارق الحقيقي؟

صراحة نيوز – م مدحت الخطيب

حين ترى شاباً عاطلاً عن العمل، تائهاً بين الإدمان والبطالة واليأس وقد وصل عمره فوق الثلاثين عام وأكثر دون زواج ، قد يسارع البعض إلى إدانته واتهامه بأنه سرق مستقبله بيده وانه مقصر بحق نفسه ولم يجتهد

وحين ترى رجلاً كبيرًا خالط الشيب شعره ، وقد أفنى عمره في العمل والكفاح ، ثم وجد نفسه في نهاية الطريق مثقلاً بالديون والهموم وتكاليف الحياة ، وقد سُرق ماله وتعبه وأحلامه، قد تتساءل: من هو الضحية؟ ومن هو الجاني؟

لكن السؤال الأهم ليس: من الذي سُرق؟

بل: من هو السارق الحقيقي؟

السارق ليس دائماً ذلك الذي يمد يده إلى جيب غيره.

السارق الحقيقي قد يكون من سرق فرصة العمل من الشباب، ومن أغلق الأبواب أمام الكفاءات، ومن جعل الواسطة أقوى من الاجتهاد، والمحسوبية أعلى من العدالة.

السارق الحقيقي هو من سرق سنوات العمر من الأب الذي عمل عشرات السنين ولم يستطع أن يؤمن حياة كريمة لأبنائه.

هو من جعل الإنسان يركض طوال حياته خلف أساسيات المعيشة، بينما يرى ثمار جهده تتبخر أمام موجات الغلاء والاحتكار والفساد وسوء الإدارة.

السارق الحقيقي هو من سرق الأمل من قلب شاب، حتى أقنعه أن مستقبله مسدود، وأن أحلامه أكبر من أن تتحقق في وطنه.

هو من سرق الثقة بين المواطن ومؤسساته، وبين الجهد والنتيجة، وبين الكفاءة والفرصة.

عندما يتحول الإحباط إلى ظاهرة، والبطالة إلى قدر، والهجرة إلى حلم، والفقر إلى واقع يومي، فإن القضية لم تعد أخطاء أفراد، بل نتيجة منظومة كاملة صنعت الظروف التي دفعت الناس إلى حافة اليأس.

لا أحد يولد مدمناً.
ولا أحد يولد فاشلاً.
ولا أحد يقضي عمره كله في الكفاح ليصل إلى الخيبة بإرادته.

هناك دائماً من صنع الطريق المؤدي إلى هذه النتيجة

لذلك، قبل أن نحاكم الشاب الذي ضاع، أو الرجل الذي أنهكه العمر، علينا أن نسأل أنفسنا:

من الذي سرق فرصهم؟
من الذي سرق أعمارهم؟
من الذي سرق أحلامهم؟

فالسارق الأخطر ليس من يسرق المال من الجيب، بل من يسرق الأمل من الأوطان، والمستقبل من الأجيال، والعمر من الناس وهم ما زالوا أحياء..

شارك هذا المقال