صراحة نيوز- بقلم: زياد فرحان المجالي
لم يعد تطوير القطاع الصحي في الأردن مجرد مشروع خدمي، بل أصبح جزءًا من مشروع الدولة في التحديث والإصلاح، الذي تقوده القيادة الهاشمية برؤية تؤكد أن المواطن هو محور التنمية، وأن كفاءة المؤسسات، وسرعة الإنجاز، والشفافية، والنزول إلى الميدان، تشكل الأساس في بناء إدارة عامة حديثة تستجيب لتطلعات الأردنيين.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة النهج الذي يتبعه معالي وزير الصحة الدكتور إبراهيم البدور بوصفه محاولة لترجمة هذه الرؤية إلى ممارسة يومية داخل المستشفيات والمراكز الصحية، بعيدًا عن الاكتفاء بالتقارير والاجتماعات. فعندما قال الوزير: «نعمل على حل مشكلات متراكمة من عشرات السنوات»، لم يكن يقدم تبريرًا لواقع قائم، بل كان يقر بحجم التحديات، ويعلن أن الإصلاح يبدأ بالاعتراف بالمشكلة، ثم الانتقال الجاد إلى معالجتها.
فالقطاع الصحي الأردني، بما يمتلكه من كفاءات وطنية متميزة، واجه عبر السنوات تحديات تراكمت بفعل ضغوط متزايدة على الخدمات، وتعقيدات إدارية وتشغيلية، وتفاوت في الإمكانات بين بعض المؤسسات والمناطق. ومن هنا، فإن معالجة هذه التراكمات تحتاج إلى إدارة قريبة من الميدان، قادرة على رؤية التفاصيل، واتخاذ القرار في الوقت المناسب، وتحويل الملاحظات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.
وفي عدد من الحالات التي برزت فيها شكاوى أو ملاحظات تتعلق بمستشفيات أو مراكز صحية، حرص الوزير على الانتقال بنفسه إلى الموقع، والاستماع المباشر إلى العاملين والمرضى، والاطلاع على واقع الخدمة من داخل المؤسسة. وهذه المقاربة تمنح صانع القرار صورة أكثر دقة من تلك التي تقدمها التقارير وحدها، لأن الميدان يكشف أحيانًا ما قد لا يظهر في المراسلات الإدارية.
كما برزت سرعة اتخاذ القرار في عدد من الملفات، ومن أمثلتها إعادة توظيف منشآت المستشفى الميداني في مستشفى الأمير حمزة، التي أُنشئت خلال جائحة كورونا، للاستفادة منها في تلبية احتياجات صحية قائمة، ودعم أقسام الطوارئ والحالات الحرجة.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها لا تقوم على إنشاء مشروع جديد من الصفر، بل على حسن إدارة الموجود، واستثمار منشأة قائمة بدل تركها خارج دائرة الاستخدام الفاعل. وهذا النوع من القرارات يعكس فهمًا عمليًا للإدارة الرشيدة، التي تبحث أولًا في الإمكانات المتاحة، ثم تعيد توجيهها نحو الأولويات الأكثر إلحاحًا.
وتمنح الخلفية المهنية لمعالي الوزير قيمة مضافة لهذا النهج؛ فهو طبيب وابن القطاع، ويعرف طبيعة العمل الصحي وضغوطه، ويمتلك القدرة على تقييم الاحتياجات والأداء من واقع الخبرة المباشرة. كما أن ما يتسم به من انضباط وحضور ميداني يساعد على تسريع الفهم واتخاذ القرار، بعيدًا عن التعقيدات الإدارية غير الضرورية.
ولا تنفصل هذه الصفات عن أهمية الثقافة الميدانية التي تؤمن بأن المسؤول لا يكتفي بانتظار وصول المشكلة إليه، بل يذهب إلى موقعها، ويعاينها، ويستمع إلى أطرافها، ثم يتابع التنفيذ. وهذه الروح تمثل قيمة أساسية في القطاعات الحساسة، وفي مقدمتها القطاع الصحي، حيث قد يكون الوقت جزءًا من جودة الخدمة، وأحيانًا جزءًا من إنقاذ حياة.
غير أن أي إصلاح حقيقي لا يقوم على جهد المسؤول وحده، بل يحتاج إلى شراكة واسعة مع العاملين في القطاع الصحي، والاستفادة من خبراتهم، لأنهم الأقدر على تشخيص التفاصيل اليومية، واقتراح الحلول الواقعية. كما أن ملاحظات المواطنين تمثل مؤشرًا مباشرًا على مستوى الخدمة، وينبغي التعامل معها باعتبارها مصدرًا للتطوير، لا مجرد شكاوى عابرة.
ومن هنا، فإن نجاح الإصلاح يتطلب آلية واضحة تبدأ باستقبال الملاحظة، ثم التحقق منها، وتحديد الأولويات، واتخاذ القرار، ومتابعة أثره على أرض الواقع. فالمطلوب ليس فقط الاستماع، بل تحويل ما يُسمع إلى إجراءات، وجداول زمنية، ومسؤوليات محددة، ونتائج قابلة للقياس.
والإصلاح المنشود لا يقتصر على تحديث المباني أو شراء الأجهزة، بل يشمل تبسيط الإجراءات، وتسريع تقديم الخدمة، وتحسين إدارة الموارد البشرية، وتعزيز التحول الرقمي، وترسيخ العدالة الوظيفية، واختيار القيادات على أساس الكفاءة والخبرة.
فالعدالة الوظيفية ليست شأنًا داخليًا يخص الموظفين فقط، بل تنعكس مباشرة على جودة الخدمة. الموظف الذي يشعر بالتقدير والإنصاف يكون أكثر قدرة على العطاء، فيما تؤدي بيئة العمل المثقلة بالإحباط أو غياب تكافؤ الفرص إلى إضعاف الإنتاجية والانتماء للمؤسسة.
ويبقى المعيار الحقيقي لنجاح أي خطة إصلاحية هو ما يلمسه المواطن في حياته اليومية: تقليص أوقات الانتظار، وتحسين مستوى الرعاية، وتوافر الدواء، وسرعة الاستجابة، وحسن التعامل، ورفع كفاءة المستشفيات والمراكز الصحية في مختلف محافظات المملكة.
فهذه المؤشرات لا تقيس أداء القطاع الصحي وحده، بل تقيس أيضًا مستوى ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها. وكلما شعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن شكواه تجد طريقها إلى المعالجة، وأن الخدمة تتحسن بصورة فعلية، تعززت هذه الثقة وتعمق الشعور بالشراكة والمسؤولية الوطنية.
إن الإصلاح الصحي ليس محطة مؤقتة، بل مسار وطني طويل يتطلب المتابعة والتقييم والمساءلة، ويستند إلى رؤية القيادة الهاشمية التي جعلت الإنسان الأردني محور عملية التحديث. وعندما تتحول هذه الرؤية إلى عمل ميداني، وقرارات سريعة ومدروسة، واستثمار أمثل للموارد، وشراكة حقيقية مع العاملين والمواطنين، فإن معالجة مشكلات تراكمت عبر عقود تصبح هدفًا ممكنًا، لا مجرد شعار.
كما أن نجاح هذا النهج يتطلب أن تتحول المبادرات الفردية إلى ثقافة مؤسسية دائمة، بحيث لا يرتبط الإصلاح بحضور مسؤول بعينه، بل يصبح جزءًا من أسلوب العمل داخل الوزارة والمستشفيات والمراكز الصحية، قائمًا على الميدان، والشفافية، والمتابعة، وقياس النتائج.
وإذا استمر هذا المسار بروح العمل المؤسسي، والإرادة الصادقة، والمتابعة اليومية، فإن القطاع الصحي الأردني يمتلك كل المقومات للانتقال إلى مرحلة أكثر كفاءة وجودة، تعكس مكانة الأردن الطبية، وتترجم توجيهات القيادة الهاشمية إلى إنجازات يلمسها المواطن في كل مستشفى ومركز صحي.
فنجاح الدولة يُقاس في النهاية بقدرتها على صون صحة الإنسان وكرامته، وتقديم خدمة عادلة وسريعة وفاعلة. وعندما يلتقي التوجيه الملكي بالإدارة الميدانية، ويصبح المواطن شريكًا في التقييم، والعاملون جزءًا من صناعة الحل، فإن الإصلاح الصحي لا يعود وعدًا للمستقبل، بل يبدأ من موقع الحدث.

