صراحة نيوز- عوض ضيف الله الملاحمة
مما لا شك فيه ان القضاء العشائري ، قضاءاً متميزاً ، وقد ساد وانتشر بين القبائل العربية عامة والأردنية خاصة في فترة ما قبل الأردن الحديث . وهو نتاج خصوصية المجتمع البدوي ، وإضطرارهم للبحث عن وسيلة لتسيير شؤونهم الاجتماعية العامة ، وحلّ نزاعاتهم ، بإيجاد قواعد وتفاهمات يتفق عليها الجميع ، والتعويل عليها واللجوء اليها في حل قضاياهم ، حلاً سريعاً وعادلاً متفقاً مع دينهم وقيمهم ومثُلهم وعاداتهم وتقاليدهم .
القضاء العشائري نظام تكاملي يسهم في حماية النسيج المجتمعي ، ويتميز بقدرته على تحقيق ( الإصلاح ) من خلال تصفية القلوب ، وحقن الدماء ، وإحتواء إرتدادات الجريمة ، ومنع توسع تداعياتها .
يتميز القضاء العشائري بفوائد كثيرة ، من أهمها :—
١ )) رأب الصدع الإجتماعي :— حيث يهدف بالأساس الى إزالة الأحقاد ، وإعادة العلاقات الطيبة بين العائلات المتخاصمة . وهذا ما لا يقدمه القضاء النظامي ، الذي يركز على العقاب .
٢ )) حقن الدماء ومنع العنف :— حيث يسهم بفاعلية في تهدئة النفوس ، وتطبيق ما يُعرف ( بالعطوة ) و ( الجلوة ) ، اي هدنة ، للتهدئة ، لحين صدور الحكم العشائري ، مما يمنع تطور الخلافات ، الى ثأر او صراعات دموية .
٣ )) سرعة البت في النزاعات :— من أهم ما يميز القضاء العشائري سرعته في البت في النزاعات ، بسبب مرونته ، وسرعة إجراءاته ، التي تضمن إعادة الحقوق الى أصحابها ، دون تعقيدات ، أو إجراءات طويلة ، كما يحصل في المحاكم النظامية .
٤ )) تعزيز السلم الأهلي والمجتمعي :— حيث يحافظ القضاء العشائري على التماسك المجتمعي ، ويعتبر سنداً حقيقياً للدولة وتعزيز هيبتها . كما انه يعمل بالتوازي مع القوانين النظامية الرسمية لتخفيف الأعباء عنها .
فمثلاً ( العطوة ) هي مهلة متفق عليها ، وملزمة لأطراف الخصومة إلزاماً مجتمعياً ، الإلتزام به واجب . وهي بمثابة مهلة لإتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة .
و( الجلوة ) إجراء مهم جداً ، لتجنب إحتكاك المتخاصمين ، وحدوث تصعيد يساعد في تعقيد المشكلة . فغياب من إرتكبوا الجُرم ، وإبعادهم عن مناطق الإحتكاك ، لمنع تقابلهم او رؤيتهم لبعض ، يمنع تجدد وإتساع وتعاظم المشكلة .
شخصياً أتمنى ان لا يتم اللجوء للجلوة ، وان نصل الى مرحلة حضارية نترك للقضاء النظامي ان يأخذ مجراه ، بكل حرية ، وحضارية . لكن هذا لا يستقيم في بلادنا ، ولا يتماشى مع عصبيتنا ، وحرارة دمنا .
وعند متابعتي لما هو مطروح الآن من قبل مستشار جلالة الملك لشؤون العشائر الباشا / كنيعان عطا محمد البلوي ، بخصوص الجلوة ، ودعوته لشيوخ العشائر في وطننا الحبيب ، لتدارس الأمر ، وإقرار حصر الجلوة على (( القاتل ووالده وأبنائه الذكور فقط )) .
كانت الجلوة سابقاً تشمل ( خمسة ) الجاني ، اي يتم احتساب نسب القاتل حتى الجد الخامس . والخمسة تعني قبضة ( الشبرية ) ، اي انه عند قبض الشبرية قبضة صحيحة تلتف حولها خمسة أصابع اليد الواحدة .
ما يطرحه ويدعو اليه ، مستشار جلالة الملك لشؤون العشائر الباشا / كنيعان عطا محمد البلوي ، والمتمثل بحصر الجلوة في ( القاتل ، ووالده ، وأبنائه ) ، طرح جميل ، وأظن انه مناسب حالياً ، لتشمل ( الثلاثة ) ، أي إعتماد قبضة ( المسدس ) ، بدل قبضة ( الشبرية ) . وقبضة المسدس الصحيحة والآمنة للتحكم به بأمان ، ودقة ، وضمان السلامة ، حسب القواعد الأساسية للقبضة ، وتشمل :—
— الإحكام :— إفراغ الهواء بين لحمية اليد وقبضة المسدس وإغلاق الأصابع الثلاثة السفلية بإحكام .
— السبابة :— يجب ان تبقى خارج واقي الزند ( القنطرة ) حتى لحظة إتخاذ قرار الرمي تماماً .
— الإبهام :— يُرفع للأعلى وللخارج ، بحيث يغطي جسم المسدس دون عرقلة حركة الأجزاء . ويقصد بها هنا ( الثلاثة ) ، أي ( القاتل ، ووالده ، وأبنائه ) .
للتذكير ، في عام ١٩٩٩ ، تم إختصار الجلوة على من هم في دفتر العائلة فقط ، وذلك بسبب كون المرحوم الدكتور / فايز الطراونة ، كان رئيساً للديوان الملكي ، وكان برفقة الملك عبدالله في امريكا ، وحدثت جريمة قتل من قِبل أحد الأقارب المقربين جداً للدكتور/ فايز . عندها أمر الملك عبدالله بأن يبقى الدكتور / فايز في أمريكا ، الى ان تم تعديل قانون الجلوة — على عجل — ليشمل دفتر العائلة فقط ، حتى يستثنى الدكتور / فايز من الجلوة وتبعات قانون العشائر .
الجلوة ، ما زالت ضرورية — مع كل الأسف — في الأردن ، لتجنب لحظة ( فورة الدم ) . مع أنني آمل ان يتعود شعبنا على إسناد أمر الجرائم الكبرى الى القضاء ( لوحده ) ليفصل فيها . بكل ألم ، الجلوة ما زالت ضرورية . وأرى ان تشمل ( القاتل ، ووالده ، وأبنائه ) فقط ، الى حين ، وبعدها يتم حصر الجلوة فيمن هم في دفتر العائلة فقط ، الى ان نصل الى مرحلة يتم فيها إلغاء الجلوة نهائياً ، بعد ان يتعود الناس على الركون الى القضاء ( لوحده ) ليبت في قضايا القتل ، ونتخلص من الثأر ، وفورة الدم وخلافه من القضايا ذات الصلة .
أعتقد انه لا يمكن إلغاء الجلوة نهائياً في زمننا الحالي . كما أعتقد انه لا يمكن حصرها فيمن هم في دفتر العائلة ، لأن عقلية الثأر التي ما زالت مترسخة في أذهاننا لا تستوعب ذلك . وعليه فإنه من الأفضل الأخذ بأمر تقليص عدد من تشملهم الجلوة ، بشكل تدريجي ، والزمن كفيل في إحداث التغيير حتى الوصول الى إلغائها ، والدليل اننا كيف كنا قبل بضعة عقود ، وكيف أصبحنا الآن .
كما أرى انه لابد من الآتي :—
١ )) تسريع الحكم في الجرائم الكبرى .
٢ )) وانه من الضروري إستثناء القتلة من الإفراج بسبب ( العفو العام ) .
٣ )) وعدم الإفراج عنهم بسبب ( حُسن السيرة والسلوك ) .
إذ ليس من المنطق ان ترى قاتل أخيك مثلاً يتبختر أمامك في الشارع بعد عدة سنوات من السجن ، وتسكت ، وتقتنع بأنه قد نال جزائه ، وإنتهى الأمر . خاصة وأن سنة السجن تُحسب ( ٩ ) شهور فقط ، ثم ان القاتل يمكن ان يخرج من السجن قبل إنتهاء مدة محكوميته بسبب ( العفو العام ) او ( حُسن السيرة والسلوك ) .
القضاء العشائري يخفف أعباءاً كبيرة وكثيرة على الأجهزة الأمنية . فأخذ العطوة مثلاً ، والتزام المتخاصمين بها ، يخفف عن الأجهزة الأمنية الحاجة لحالات الإستنفار وتبعاته . لكم ان تتخيلوا ان إجراءاً عشائرياً واحداً يضبط الحالة الأمنية في منطقة متوترة جداً ، لدرجة عدم الحاجة لوجود دوريات من الأجهزة الأمنية بتاتاً .
ما زال القضاء العشائري ضرورياً ، ومهماً ، ويلعب دوراً فاعلاً وكبيراً في مجتمعنا للآن . وهو رديفاً ، وسنداً ، ومكملاً للقضاء النظامي في الأردن وبعض الدول العربية ، لكنه لا يحل محل المحاكم النظامية ، ولا يُلغي سيادة القانون ، بل يعمل على إحتواء الأزمات ، وحقن الدماء ، وتعزيز السلم الأهلي والمجتمعي ، عبر حلّ النزاعات ودياً ، وإصلاح ذات البين .

