الجلوة العشائرية… عندما يُفرغ العرف من غايته

3 د للقراءة
3 د للقراءة
الجلوة العشائرية... عندما يُفرغ العرف من غايته

صراحة نيوز- بقلم: فواز أرفيفان خالد الخريشا
لم تكن الجلوة العشائرية في يوم من الأيام عقوبة جماعية، ولم تُنشأ لإيذاء الأبرياء أو تشريد الأسر، بل كانت عرفاً اجتماعياً عريقاً وُلد من رحم الحاجة إلى حقن الدماء، وإطفاء نار الغضب، ومنع الاحتكاك حتى تهدأ النفوس، ويأخذ القضاء مجراه، ويبدأ طريق الصلح والإصلاح.
إن العبرة في الجلوة ليست بمن يغادر المكان، وإنما بقدرتها على منع إراقة دمٍ جديد. فإذا فقدت هذه الغاية، فقدت مبرر وجودها.
واليوم، وبعد التعديلات التي طالت الجلوة، يحق لنا أن نتساءل بكل مسؤولية: هل ما زالت تحقق الهدف الذي شُرعت من أجله؟ أم أننا اكتفينا بتعديل النص، وتركنا الواقع يواجه مصيره؟
إن من يعرف طبيعة المجتمع العشائري يدرك أن القضية ليست أرقاماً في دفتر عائلة، ولا أسماءً في سجل مدني، وإنما هي قضية أمن مجتمعي، وحماية للأرواح، واحتواء لردود الفعل. فحين يُقال إن شقيق الجاني المتزوج لا تشمله الجلوة لأنه أصبح في دفتر عائلة مستقل، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تغيرت صلة الأخ بأخيه لأن اسمه انتقل إلى دفتر آخر؟ وهل ينظر المجتمع إليه بهذه الطريقة؟
إن الدفاتر الإدارية تُنظم شؤون الدولة، لكنها لا تُغير حقائق الروابط الاجتماعية. ولذلك فإن الاكتفاء بالتصنيف الإداري قد لا يعكس الواقع الاجتماعي في بعض البيئات، وهو ما يدفع إلى المطالبة بمراجعة التجربة وتقييمها من زاوية تحقيق السلم المجتمعي.
ولنضرب مثالاً لتوضيح الفكرة: إذا وقعت جريمة قتل، وغادر والد الجاني وأبناؤه غير المتزوجين وفق أحكام الجلوة المعدلة، بينما بقي أخوه المتزوج في البلدة نفسها، فإن التحدي الحقيقي هو: هل أصبحت أسباب التوتر قد زالت فعلاً؟ فإذا كان الجواب بالنفي، فإن المطلوب هو البحث عن آليات أكثر فاعلية لحماية الجميع ومنع أي احتكاك، في إطار القانون وتحت مظلة الدولة، لأن الغاية ليست معاقبة أحد، بل منع سقوط ضحايا جدد.
إن الأردن ليس نسخة اجتماعية واحدة؛ فطبيعة البادية تختلف عن المدينة، والعادات الاجتماعية تتفاوت من منطقة إلى أخرى. ومن هنا فإن أي تنظيم للجلوة ينبغي أن يراعي هذا التنوع، وأن يقوم على دراسة ميدانية عميقة، لا على افتراض أن جميع البيئات تستجيب بالطريقة نفسها.
إن مراجعة تنظيم الجلوة ليست رفضاً للقانون، بل هي دعوة لتقييم أثره العملي. فالقانون الناجح هو الذي يحقق مقصده، والعرف الناجح هو الذي يحفظ الأرواح، والدولة القوية هي التي تستمع لكل رأي موضوعي يسعى إلى تعزيز الأمن والاستقرار.
إننا اليوم بحاجة إلى حوار وطني تشارك فيه الدولة، ورجال القانون، والقضاة العشائريون، والوجهاء، والباحثون في علم الاجتماع، للوصول إلى صيغة تحقق المعادلة الأصعب: سيادة القانون، وحماية المجتمع، ومنع الفتنة، وصون الأرواح.
فالجلوة ليست غاية، وإنما وسيلة، والوسيلة تُقاس بنتائجها. فإذا كانت تحقن الدماء فهي تؤدي رسالتها، وإذا لم تعد تحقق هذه الغاية، فإن مراجعتها واجب، لأن دم الإنسان أغلى من كل اجتهاد، وأمن الوطن فوق كل اعتبار.
حمى الله الأردن، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، في ظل راعي المسيرة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني.

شارك هذا المقال