“النهايات المفتوحة” في قضايا الفساد

3 د للقراءة
3 د للقراءة
"النهايات المفتوحة" في قضايا الفساد

صراحة نيوز – بقلم: د. فايز الهروط

​في عالم السينما، تتعدد خيارات المخرجين لتشكيل وعي المشاهد في اللحظات الأخيرة من العرض.

فمنهم من يختار “العدالة الكلاسيكية” حيث ينتصر الحق ويموت الأشرار فيرتاح وجدان الجمهور، ومنهم من يختار “الانتصار المُر” حيث ينجو البطل لكن بنشيج الندوب والآلام.

أما المخرجون الأكثر ذكاءً، فيلجأون إلى “النهايات المفتوحة” (Open End)، تاركين للمشاهد حرية التخمين والتحليل، ليظل الفيلم حياً في الذاكرة ولا ينتهي بظهور الشاشة السوداء.

​لكن، ماذا يحدث عندما تنتقل هذه المعالجات الإخراجية من دور العرض السينمائي إلى مسرح واقعنا المعاش؟ وتحديداً، عند مقاربة مشهد الفساد؟

​في واقعنا، نقف أمام مفارقة عجيبة: هناك فساد مستشرٍ يراه الجميع، لكن البحث عن “الفاسدين” يشبه ملاحقة السراب.

وإذا ما سارت الأحداث نحو نهايتها الحتمية وكان لا بد من ظهور فاسد على الشاشة، فإن السيناريو لا يخرج عن مسارين هندسهما مخرج محترف خلف الكواليس:

الفصل الأول: كبش الفداء (الفساد الصغير والمعالجة الإخراجية)

هذا هو الفاسد “الهاوي” أو الصغير الذي يجد نفسه فجأة في عين العاصفة. تًحاك حوله المسألة بدقة وإحكام، ويُساق إلى منصة الأحكام ليكون القربان الذي يهدئ الرأي العام صاخب التوقعات.

في هذه المعالجة، يُقنعنا المخرج بأن “العدالة قد تحققت” والشرير قد نال جزاءه، بينما هي في الحقيقة مجرد “حقنة تخدير” موضعية، تُضحي بشخصية ثانوية للإبقاء على الرؤوس الكبيرة تدير المشهد من عتمة الكواليس.

الفصل الثاني: الفساد الشبكي (معادلة الردع والنهاية المفتوحة)

أما الصنف الثاني، فهو الفاسد الذي بلغت ممارساته حداً من الفحش واللامبالاة استحال معها التستر عليه. لكن هذا الفاسد ليس معزولاً؛ إنه “عقدة في شبكة” متداخلة المصالح.

لقد دخل في صلب منظومة مارست فسادها جماعياً بما يخدم بقاء الجميع.

​هنا، يصبح الحكم عليه مغامرة غير مأمونة العواقب، لأن سقوطه يعني تأثير “أحجار الدومينو”؛ سينثر الغسيل القذر للجميع، ويفكك خيوط الشبكة كاملة.

أمام هذا التهديد الضمني، تضطر المنظومة لإعادة حساباتها، ليس حباً في الشخص، بل حماية لكيانها.

تتدخل قوى الكواليس لمعالجة المسألة بهدوء وبأقل الضجيج الممكن، ويُهندس مخرج المشهد “نهاية مفتوحة” للموضوع: يختفي الصخب تدريجياً، يغيب الفاسد عن الأنظار، ينسى الناس القضية مع تراكم الأزمات الجديدة، ويبقى “الفساد الشبكي” هو سيد الموقف، مستمراً وقائماً بلا محاسبة.

​إن الفساد في محصلته النهائية لا يخشى المحاسبة الفردية، بل يخشى تفكك الشبكة. ولذا، تصبح “النهايات المفتوحة” في قضايا الفساد الكبرى لغزاً مزمناً يُفقد المواطن ثقته بالمؤسسات، ويترك المجتمع في حيرة أمام شاشة واقع لا تمنحه أبداً لذة انتصار الحق.

شارك هذا المقال