صراحة نيوز- بقلم: المحامي حسام العجوري
أيها السادة النواب…
قبل أن ترفعوا أيديكم بالموافقة على أي تعديل في قانون العقوبات، اسألوا أنفسكم سؤالاً واحداً: هل أنتم تشرّعون بعدل، أم تصنعون سوطاً قد يهبط غداً على ظهوركم؟
فالتشريع ليس استعراضاً للقوة، وليس مزايدة في تشديد العقوبات، وليس سباقاً لإظهار الحزم أمام الرأي العام. فالقانون لا يعرف من صوّت له، ولا يحفظ الجميل لمن أقرّه، ولا يفرق بين مشرّع ومواطن. إنه يطبق على الجميع… وعندما يدور الزمن، قد يجد المشرّع نفسه أول من يقف في قفص الاتهام تحت النص الذي كتبه بيده.
هذا ما حدث مع المادة (187) من قانون العقوبات.
قبل عام 2017 لم تكن الفقرة الثالثة موجودة أصلاً. لكن مجلس النواب قرر أن يضيفها، وأن يغلّظ العقوبة إذا وقع الاعتداء على رئيس الوزراء أو الوزير أو أحد أعضاء مجلس الأمة أو القاضي. ظن البعض يومها أنهم يصنعون درعاً يحميهم، لكنهم في الحقيقة كانوا يصنعون سوطاً جديداً.
واليوم عاد ذلك السوط ليضرب صاحبه.
فقد صدر حكم بالحبس لمدة عامين بحق أحد النواب على خلفية مشاجرة مع زميله داخل مجلس النواب، استناداً إلى النص الذي أضافه المجلس نفسه. يا لها من مفارقة! المجلس الذي شدد العقوبة لحماية أعضائه، هو الذي وجد أحد أعضائه يدفع ثمن ذلك التشديد.
وهل نسي النواب ما فعلوه بقانون الجرائم الإلكترونية؟
لقد أقروا قانوناً امتلأ بالعقوبات المشددة والغرامات الباهظة، واعتقد كثيرون أن السوط سيجلد غيرهم، فإذا به يعود إليهم. عشرات الشكاوى والقضايا طالت نواباً بموجب القانون ذاته، ووقف بعض من صوّتوا له أمام نصوصه يتذوقون قسوتها، بعدما سلّموا سوطها بأيديهم.
هذه هي الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مجاملة:
كلما بالغ مجلس النواب في تشديد العقوبات، فإنه لا يعاقب الناس وحدهم، بل يزرع فخاً قد يقع فيه هو نفسه.
القوانين لا تُكتب للخصوم، ولا تُفصل على حوادث آنية، ولا تُسنّ بدافع الانفعال. ومن يظن أن السوط سيبقى في يده إلى الأبد، فهو واهم، لأن القانون يدور دورته، وعندما يعود، فإنه لا يسأل: من الذي صنعني؟ بل يسأل فقط: على من تنطبق أحكامي؟
لذلك، فإن الرسالة إلى مجلس النواب واضحة:
كفّوا عن صناعة السياط ثم الشكوى من قسوتها عندما ترتد إليكم.
فما حدث مع قانون الجرائم الإلكترونية، وما حدث مع الفقرة الثالثة من المادة (187)، ليسا إلا درساً قاسياً يؤكد أن الجلاد قد يصبح ضحيته الأولى، وأن السوط الذي يُصنع داخل البرلمان قد يكون أول ما يجلد أصحاب القرار أنفسهم.
كيف يجلد الجلاد نفسه؟ رسالة إلى مجلس النواب

