صراحة نيوز- بقلم : اللواء المتقاعد
طارق عبدالمحسن الحباشنة
**
***قضية أثارت نقاشاً وطنياً واسعاً، لكنها تفتح أيضاً باباً لترسيخ الشفافية، وتعزيز المحاسبة، وصون المال العام، وسيادة القانون بوصفها ركائز للدولة الحديثة*
**
في الدول التي تؤمن بسيادة القانون، لا تتحول القضايا العامة إلى أزمات، بل إلى فرص لتعزيز الثقة، وتصويب المسار، وتطوير الأداء المؤسسي.
الثقة بين الدولة والمواطن لا تُبنى بالشعارات، بل بمنظومة متكاملة تقوم على الشفافية، وسيادة القانون، والحوكمة الرشيدة، والمحاسبة العادلة. وعندما تتحول أي قضية عامة إلى فرصة لمراجعة الأداء وتعزيز المعايير المؤسسية، فإن المكسب الحقيقي لا يكون في معالجة الحدث ذاته، بل في ترسيخ ثقافة إصلاح مستدامة. وفي هذا السياق، جاءت قضية وزير العمل السابق خالد البكار لتفتح نقاشاً وطنياً يتجاوز الأشخاص، ويطرح سؤالاً يستحق التأمل: هل ينجح الأردن في تحويل الشفافية من استجابة لحدث إلى ثقافة دولة راسخة؟
*“قوة الدولة لا تُقاس بعدد الأخطاء، بل بقدرتها على محاسبة المقصر، وصون المال العام، وترسيخ سيادة القانون بعدالة وشفافية.”*
لقد أظهرت الأيام الماضية حجم الاهتمام الشعبي بهذا الملف، وتعددت الآراء والتحليلات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، واختلطت أحياناً الوقائع الرسمية بما يُتداول دون سند موثق. وفي مثل هذه القضايا، تصبح مسؤولية الجميع مضاعفة؛ فاحترام قرينة البراءة، والالتزام بالمعلومة الدقيقة، وترك الكلمة الفصل للمؤسسات المختصة، لا يتعارض مع المطالبة بالمحاسبة، بل يعززها، لأن العدالة الحقيقية لا تقوم إلا على الحقائق، كما أن الشفافية لا تكتمل إلا عندما تقترن بالإجراءات القانونية السليمة.
وإذا كانت هذه القضية قد فتحت باب النقاش، فإن قيمتها الحقيقية تكمن فيما يمكن أن تنتجه من مراجعات مؤسسية أوسع. فترسيخ النزاهة لا يتحقق بقرار منفرد، وإنما بمنظومة متكاملة تقوم على الإفصاح، وإدارة تضارب المصالح، وتعزيز الرقابة، وتطوير التشريعات، وترسيخ مبدأ المحاسبة على أساس القانون وحده، بعيداً عن الانتقائية أو الشخصنة. فالدول القوية هي التي تجعل من المحاسبة نهجاً دائماً يحمي مؤسساتها ويعزز ثقة المواطنين بها.
غير أن بناء دولة أكثر كفاءة لا يتحقق فقط بمكافحة الفساد بعد وقوعه، بل ببناء منظومة مؤسسية تجعل وقوعه أكثر صعوبة، واكتشافه أسرع، ومعالجته أكثر عدالة وفاعلية. ويتطلب ذلك تعزيز الإفصاح، وتطوير أنظمة إدارة تضارب المصالح، وتقوية الرقابة الداخلية، ورفع كفاءة المؤسسات الرقابية، وترسيخ ثقافة النزاهة في الإدارة العامة. فالحوكمة ليست إجراءً مؤقتاً، بل أسلوب عمل دائم يحمي المال العام، ويعزز جودة القرار، ويزيد من ثقة المواطنين بمؤسسات دولتهم.
وفي هذا السياق، تبقى حماية المال العام ومكافحة الفساد بكل أشكاله مسؤولية وطنية مستمرة لا ترتبط بقضية بعينها ولا بشخص معين، بل تمثل التزاماً مؤسسياً دائماً يهدف إلى صون موارد الدولة وتعزيز كفاءة الإدارة العامة. فحماية المال العام ليست مجرد واجب رقابي، بل هي استثمار في ثقة المواطن، وفي قدرة الدولة على تنفيذ برامجها التنموية بكفاءة واستدامة. وكلما كانت منظومة الرقابة أكثر استقلالاً وكفاءة، والإجراءات أكثر وضوحاً، والمساءلة أكثر عدلاً، تعززت ثقة المواطنين، وازدادت قدرة الدولة على ترسيخ بيئة تقوم على النزاهة والعدالة وتكافؤ الفرص.
لقد أثبت الأردن عبر مسيرته أنه يمتلك مؤسسات دستورية ورقابية وقضائية قادرة على حماية المصلحة العامة، وأن الإصلاح الحقيقي هو عملية تراكمية تقوم على التعلم من التجارب وتطوير أدوات العمل باستمرار. ومن هنا، فإن قراءة هذه القضية ينبغي ألا تتوقف عند حدود الأشخاص أو الظرف الزمني، بل أن تتحول إلى فرصة لتعزيز منظومة الحوكمة، وترسيخ ثقافة المحاسبة، وصون المال العام، ومواصلة مكافحة الفساد وفق القانون، وتأكيد أن سيادة القانون هي الضمانة الأولى لحماية الدولة وتعزيز ثقة المواطن. فالثقة لا تُطلب من المواطنين، بل تُبنى بالعمل المتواصل، وبالوضوح، وبالعدالة التي يلمسها الجميع.

